فصل: اللفظ والنظم لا يكون لإحدى العبارتين

/ﻪـ 
البحث:

هدايا الموقع

هدايا الموقع

روابط سريعة

روابط سريعة

خدمات متنوعة

خدمات متنوعة
الصفحة الرئيسية > شجرة التصنيفات
كتاب: دلائل الإعجاز **


 الفصل والوصل

بسم الله الرحمن الرحيم الفصل والوصل اعلم أن العلم بما ينبغي أن يصنع في الجمل من عطف بعضها على بعض أو ترك العطف فيها والمجيء بها منثورة تستأنف واحدة منها بعد أخرى من أسرار البلاغة ومما لا يتأتى لتمام الصواب فيه إلا الأعراب الخلص وإلا قوم طبعوا على البلاغة وأوتوا فناً من المعرفة في فوق الكلام هم بها أفراد‏.‏

وقد بلغ من قوة الأمر في ذلك أنهم جعلوه حداً للبلاغة فقد جاء عن بعضهم أنه سئل عنها فقال‏:‏ معرفة الفصل من الوصل‏.‏

ذاك لغموضه ودقة مسلكه وأنه لا يكمل لإحراز الفضيلة فيه أحد إلا كمل لسائر معاني البلاغة

واعلم أن سبيلنا أن ننظر إلى فائدة العطف في المفرد ثم نعود إلى الجملة فننظر فيها ونتعرف حالها‏.‏

ومعلوم أن فائدة العطف في المفرد أن يشرك الثاني في إعراب الأول‏.‏

وأنه إذا أشركه في إعرابه فقد أشركه في حكم ذلك الإعراب نحو أن المعطوف على المرفوع بأنه فاعل مثله والمعطوف على المنصوب بأنه مفعول به أو فيه أو له شريك له في ذلك‏.‏

وإذا كان هذا أصله في المفرد فإن الجمل المعطوف بعضها على بعض على ضربين‏:‏ أحدهما أن يكون للمعطوف عليها موضع من الإعراب‏.‏

وإذا كانت كذلك كان حكمها حكم المفرد إذ لا يكون للجملة موضغ من الإعراب حتى تكون واقعة موقع المفرد‏.‏

وإذا كانت الجملة الأولى واقعة موقع المفرد كان عطف الثانية عليها جارياً مجرى عطف المفرد وكانت وجه الحاجة إلى الواو ظاهراً والإشراك بها في الحكم موجوداً‏.‏

فإذا قلت‏:‏ مررت برجل خلقه حسن وخلقه قبيح‏.‏

كنت قد أشركت الجملة الثانية في حكم الأولى وذلك الحكم كونها في موضع جر بأنها صفة للنكرة‏.‏

ونظائر ذلك تكثر والأمر في يسهل‏.‏

والذي يشكل أمره هو الضرب الثاني وذلك أن تعطف على الجملة العارية الموضع من الإعراب جملة أخرى كقولك‏:‏ زيد قائم وعمرو قاعد والعلم حسن والجهل قبيح‏.‏

سبيل لنا إلى أن ندعي أن الواو أشركت الثانية في إعراب قد وجب للأولى بوجه من الوجوه وإذا كان كذلك فينبغي أن تعلم المطلوب من هذا العطف والمغزى منه‏.‏

ولم لم يستو الحال بين أن تعطف وبين أن تدع العطف فتقول‏:‏ زيد قائم عمرو قاعد بعد أن لا يكون هنا أمر معقول يؤتى بالعاطف ليشرك بين الأولى والثانية فيه‏.‏

واعلم أنه إنما يعرض الإشكال في الواو دون غيرها من حروف العطف وذاك لأن تلك تفيد مع الإشراك معاني مثل أن الفاء توجب الترتيب من غير تراخ وثم توجبه مع تراخ و أو تردد الفعل بين شيئين وتجعله لأحدهما لا بعينه فإذا عطفت بواحد منها الجملة على الجملة ظهرت الفائدة‏.‏

فإذا قلت‏:‏ أعطاني فشكرت ظهر بالفاء أن الشكر كان معقباً على العطاء ومسبباً عنه‏.‏

وإذا قلت‏:‏ خرجت ثم خرج زيد‏.‏

أفادت ثم أن خروجه كان بعد خروجك وأن مهلة وقعت بينهما‏.‏

وإذا قلت‏:‏ يعطيك أو يكسوك‏.‏

دلت أو على أنه يفعل واحداً منهما لا بعينه‏.‏

وليس للواو معنى سوى الإشراك في الحكم الذي يقتضيه الإعراب الذي أتبعت فيه الثاني الأول‏.‏

فإذا قلت‏:‏ جاءني زيد وعمرو‏.‏

لم تفد بالواو شيئاً أكثر من إشراك عمرو في المجيء الذي أثبته لزيد والجمع بينه وبينه ولا يتصور إشراك بين شيئين حتى يكون هناك معنى يقع ذلك الإشراك فيه‏.‏

وإذا كان ذلك كذلك ولم يكن معنا في قولنا‏:‏ زيد قائم وعمرو قاعد معنى تزعم أن الواو أشركت بين هاتين الجملتين في ثبت إشكال المسألة‏.‏

ثم إن الذي يوجبه النظر والتأمل أن يقال في ذلك‏:‏ إنا وإن كنا إذا قلنا‏:‏ زيد قائم وعمرو قاعد فإنا لا نرى هاهنا حكماً نزعم أن الواو جاءت للجمع بين الجملتين فيه فإنا نرى أمراً آخر نحصل معه على معنى الجمع وذلك أنا لا نقول‏:‏ زيد قائم وعمرو قاعد حتى يكون عمرو بسبب من زيد وحتى يكونا كالنظيرين والشريكين وبحيث إذا عرف السامع حال الأول عناه أن يعرف حال الثاني‏.‏

يدلك على ذلك أنك إن جئت فعطفت على الأول شيئاً ليس منه بسبب ولا هو مما يذكر بذكره ويتصل حديثه بحديثه لم يستقم‏.‏

فلو قلت‏:‏ خرجت اليوم من داري‏.‏

ثم قلت‏:‏ وأحسن الذي يقول بيت كذا‏.‏

قلت ما يضحك منه‏.‏

ومن هاهنا عابوا أبا تمام في قوله من الكامل‏:‏ لا والذي هو عالم أن النوى صبر وأن أبا الحسين كريم وذلك لأنه لا مناسبة بين كرم أبي الحسين ومرارة النوى ولا تعلق لأحدهما بالآخر وليس يقتضي الحديث بهذا الحديث بذاك‏.‏

واعلم أنه كما يجب أن يكون المحدث عنه في إحدى الجملتين بسبب من المحدث عنه في الأخرى كذلك ينبغي أن يكون الخبر عن الثاني مما يجري مجرى الشبيه والنظير أو النقيض للخبر في الأول‏.‏

فلو قلت‏:‏ زيد طويل القامة وعمرو شاعر‏.‏

كان خلفاً لأنه لا مشاكلة ولا تعلق بين طول القامة وبين الشعر وإنما الواجب أن يقال‏:‏ زيد كاتب وعمرو شاعر وزيد طويل القامة وعمرو قصير‏.‏

وجملة الأمر أنها لا تجيء حتى يكون المعنى في هذه الجملة لفقاً للمعنى في الأخرى ومضافاً له مثل أن زيداً وعمراً إذا كانا أخوين أو نظيرين أو مشتبكي الأحوال على الجملة كانت الحال التي يكون عليها أحدهما من قيام أو قعود أو ما شاكل ذلك مضمومة في النفس إلى الحال التي عليها الأخر من غير شك‏.‏

وكذا السبيل أبداً والمعاني في ذلك كالأشخاص‏.‏

فإنما قلت مثلاً‏:‏ العلم حسن والجهل قبيح‏.‏

لأن كون العلم حسناً مضموم في العقول إلى كون الجهل قبيحاً‏.‏

واعلم أنه إذا كان المخبر عنه في الجملتين واحداً كقولنا‏:‏ هو يقول ويفعل ويضر وينفع ويسيء ويحسن ويأمر وينهى ويحل ويعقد ويأخذ ويعطي ويبيع ويشتري ويأكل ويشرب وأشباه ذلك ازداد معنى الجمع في الواو قوة وظهوراً وكان الأمر حينئذ صريحاً‏.‏

وذلك أنك إذا قلت‏:‏ هو يضر وينفع‏.‏

كنت قد أفدت بالواو أنك أوجبت له الفعلين جميعاً وجعلته يفعلهما معاً‏.‏

ولو قلت‏:‏ يضر ينفع من غير واو لم يجب ذلك بل قد يجوز أن يكون قولك‏:‏ ينفع رجوعاً عن قولك يضر وإبطالاً له‏.‏

وإذا وقع الفعلان في مثل هذا في الصلة ازداد الاشتباك والاقتران حتى لا يتصور تقدير إفراد في أحدهما عن الآخر وذلك في مثل قولك‏:‏ العجب من أني أحسنت وأسأت ويكفيك ما قلت وسمعت وأيحسن تنهى عن شيء وتأتي مثله وذلك أنه لا يشبه على عاقل أن المعنى على جعل الفعلين حكم فعل واحد‏.‏

ومن البين في ذلك قوله‏:‏ لا تطمعوا أن تهينونا ونكرمكم وأن نكف الأذى عنكم وتؤذونا المعنى‏:‏ لا تطمعوا أن تروا إكرامنا وقد وجد مع إهانتكم وجامعها في الحصول ومما له مأخذ لطيف في هذا الباب قول أبي تمام من الطويل‏:‏ لهان علينا أن نقول وتفعلا ونذكر بعض الفصل منك وتفضلا وأعلم أنه كما كان في الأسماء ما يصله معناه بالاسم قبله فيستغني بصلة معناه له عن واصل يصله ورابط يربطه وذلك كالصفة التي لا تحتاج في اتصالها بالموصوف إلى شيء يصلها به وكالتأكيد الذي يفتقر كذلك إلى ما يصله بالمؤكد كذلك يكون في الجمل ما تتصل من ذات نفسها بالتي قبلها وتستغني بربط معناها لها عن حرف عطف يربطها وهي كل جملة كانت مؤكدة للتي قبلها ومبينة لها‏.‏

وكانت إذا حصلت لم تكن شيئاً سواها كما لا تكون الصفة غير الموصوف والتأكيد غير المؤكد‏.‏

فإذا قلت‏:‏ جاءني زيد الظريف وجاءني القوم كلهم لم يكن ومثال ما هو من الجمل كذلك قوله تعالى‏:‏ ‏"‏ ألم ذلك الكتاب لا ريب فيه ‏"‏ قوله ‏"‏ لا ريب فيه ‏"‏ بيان وتوكيد وتحقيق لقوله‏:‏ ‏"‏ ذلك الكتاب ‏"‏ وزيادة تثبيت له وبمنزلة أن تقول‏:‏ هو ذلك الكتاب هو ذلك الكتاب فتعيده مرة ثانية لتثبته‏.‏

وليس تثبيت الخبر غير الخبر ولا شيء يتميز به عنه فيحتاج إلى ضام يضمه إليه وعاطف يعطفه عليه‏.‏

ومثل ذلك قوله تعالى‏:‏ ‏"‏ إن الذين كفروا سواء عليهم أأنذرتهم أم لم تنذرهم لا يؤمنون‏.‏

ختم الله على قلوبهم وعلى سمعهم وعلى أبصارهم غشاوة ولهم عذاب عظيم ‏"‏ قوله تعالى‏:‏ ‏"‏ لا يؤمنون ‏"‏ تأكيذ لقوله ‏"‏ سواء عليهم أأنذرتهم أم لم تنذرهم ‏"‏ وقوله‏:‏ ‏"‏ ختم الله على قلوبهم وعلى سمعهم ‏"‏ تأكيد ثان أبلغ من الأول لأن من كان حاله إذا أنذر مثل حاله إذا لم ينذر كان في غاية الجهل وكان مطبوعاً على قلبه لا محالة‏.‏

وكذلك قوله عز وجل ‏"‏ ومن الناس من يقول آمنا بالله وباليوم الآخر وما هم بمؤمنين يخادعون الله ‏"‏ إنما قال‏:‏ ‏"‏ يخادعون ‏"‏ ولم يقل‏:‏ ويخادعون لأن هذه المخادعة ليست شيئاً غير قولهم‏:‏ آمنا من غير أن يكونوا مؤمنين‏.‏

فهو إذاً كلام أكد به كلام آخر هو في معناه وليس شيئاً سواه وهكذا قوله عز وجل ‏"‏ وإذا لقوا الذين آمنوا قالوا آمنا وإذا خلوا إلى شياطينهم قالوا إنا معكم إنما نحن مستهزئون ‏"‏‏.‏

وذلك لأن معنى قولهم‏:‏ ‏"‏ إنا معكم لم أنا لم نؤمن بالنبي صلى الله عليه وسلم ولم نترك اليهودية وقولهم‏:‏ ‏"‏ إنما نحن مستهزئون ‏"‏ خبر بهذا المعنى بعينه لأنه لا فرق بين أن يقولوا‏:‏ إنا لم نقل ما قلناه من أنا آمنا إلا استهزاء‏.‏

وبين أن يقولوا‏:‏ إنا لم نخرج من دينكم وإنا معكم‏.‏

بل هما في حكم الشيء الواحد‏.‏

فصار كأنهم قالوا‏:‏ إنا معكم لم نفارقكم‏.‏

فكما لا يكون إنا لم نفارقكم أنا شيئاً غير أنا معكم كذلك لا يكون إنما نحن مستهزئون غيره فاعرفه‏.‏

ومن الواضح البين في هذا المعنى قوله تعالى‏:‏ ‏"‏ وإذا تتلى عليه آياتنا ولى مستكبراً كأن لم يسمعها كأن في أذنيه وقراً ‏"‏ لم يأت معطوفاً نحو وكأن في أذنيه وقراً لأن المقصود من التشبيه بمن في أذنيه وقر هو بعينه المقصود من التشبيه بمن لم يسمع إلا أن الثاني أبلغ وآكد في الذي اريد‏.‏

وذلك أن المعنى في التشبيهين جميعاً أن ينفي أن يكون لتلاوة ما تلي عليه من الآيات فائدة معه ويكون لها تأثير فيه وأن يجعل حاله إذا تليت عليه كحاله إذا لم تتل‏.‏

ولا شبهة في أن التشبيه بمن في أذنيه وقر أبلغ وآكد في جعله كذلك من حيث كان من لا يصح منه السمع وإن أراد ذلك أبعد من أن يكون لتلاوة ما يتلى عليه فائدة من الذي يصح منه السمع إلا أنه لا يسمع إما اتفاقاً وإما قصداً إلى أن لا يسمع فاعرفه وأحسن تدبره‏.‏

ومن اللطيف في ذلك قوله تعالى‏:‏ ‏"‏ ما هذا بشراً إن هذا إلا ملك كريم ‏"‏ وذلك أن قوله‏:‏ ‏"‏ إن هذا إلا ملك كريم ‏"‏ مشابك لقوله‏:‏ ‏"‏ ما هذا بشراً ‏"‏ ومداخل في ضمنه من ثلاثة أوجه‏:‏ وجهان هو فيهما شبيه بالتأكيد ووجه هو فيه شبيه بالصفة‏.‏

فأحد وجهي كونه شبيهاً بالتأكيد هو أنه إذا كان ملكاً لم يكن بشراً وإذا كان كذلك كان إثبات كونه ملكاً تحقيقاً لا محالة وتأكيداً لنفي أن يكون بشراً‏.‏

والوجه الثاني أن الجاري في العرف والعادة أنه إذا قيل‏:‏ ما هذا بشراً وما هذا بآدمي والحال حال تعظيم وتعجب مما يشاهد في الإنسان من حسن خلق أو خلق أن يكون الغرض والمراد من الكلام أن يقال إنه ملك وأن يكنى به ذلك حتى إنه يكون مفهوم اللفظ‏.‏

وإذا كان مفهوماً من اللفظ قبل أن يذكر كان ذكره إذا ذكر تأكيداً لا محالة لأن حد التأكيد أن تحقق باللفظ معنى قد فهم من لفظ آخر قد سبق منك‏.‏

أفلا ترى أنه إنما كان كلهم في قولك‏:‏ جاءني القوم كلهم تأكيداً من حيث كان الذي فهم منه وهو الشمول قد فهم بديئاً من ظاهر لفظ القوم‏.‏

ولو أنه لم يكن فهم الشمول من لفظ القوم ولا كان هو من موجبه لم يكن كل تأكيداً ولكان الشمول مستفاداً من كل ابتداء‏.‏

وأما الوجه الثالث الذي هو فيه شبيه بالصفة فهو أنه إذا نفي أن يكون بشراً فقد أثبت جنس سواه إذ من المحال أن يخرج من جنس البشر ثم لا يدخل في جنس آخر وإذا كان الأمر كذلك كان إثباته ملكاً تبييناً وتعييناً لذلك الجنس الذي أريد إدخاله فيه وإغناء عن أن تحتاج إلى أن تسأل فتقول‏:‏ فإن لم يكن بشراً فما هو وما جنسه كما أنك إذا قلت‏:‏ مررت بزيد الظريف كان الظريف تبييناً وتعييناً للذي أردت من بين من له هذا الاسم وكنت قد أغنيت المخاطب ومما جاء فيه الإثبات بإن وإلا على هذا الحد قوله عز وجل‏:‏ ‏"‏ وما علمناه الشعر وما ينبغي له إن هو إلا ذكر وقرآن مبين ‏"‏ وقوله‏:‏ ‏"‏ وما ينطق عن الهوى إن هو إلا وحي يوحى ‏"‏‏.‏

فلا ترى أن الإثبات في الآيتين جميعاً تأكيد وتثبيت لنفي ما نفي‏.‏

فإثبات ما علمه النبي صلى الله عليه وسلم وأوحي إليه ذكراً وقرآناً تأكيد وتثبيت لنفي أن يكون قد علم الشعر‏.‏

وكذلك إثبات ما يتلوه عليهم وحياً من الله تعالى تأكيد وتقرير لنفي أن يكون نطق به عن هوى‏.‏

وأعلم أنه ما من علم من علوم البلاغة أنت تقول إنه فيه خفي غامض ودقيق صعب وعلم هذا الباب أغمض وأخفى وأدق وأصعب‏.‏

وقد قنع الناس فيه بأن يقولوا إذا رأوا جملة قد ترك فيها العطف‏:‏ إن الكلام قد استؤنف وقطع عما قبله لا تطلب أنفسهم منه زيادة على ذلك‏.‏

ولقد غفلوا غفلة شديدة‏.‏

ومما هو أصل في هذا الباب أنك ترى الجملة وحالها مع التي قبلها حال ما يعطف ويقرن إلى ما قبله ثم تراها قد وجب فيها ترك العطف لأمر عرض فيها صارت به أجنبية مما قبلها مثال ذلك قوله تعالى‏:‏ ‏"‏ الله يستهزىء بهم ويمدهم في طغيانهم يعمهون ‏"‏ الظاهر كما لا لايخفى يقتضي أن يعطف على ما قبله من قوله‏:‏ ‏"‏ إنما نحن مستهزئون ‏"‏ وذلك أنه ليس بأجنبي منه بل هو نظير ما جاء معطوفاً من قوله تعالى‏:‏ ‏"‏ يخادعون الله وهو خادعهم ‏"‏ وقوله ‏"‏ ومكروا ومكر الله ‏"‏‏.‏

وما أشبه ذلك مما يرد فيه العجز على الصدر‏.‏

ثم إنك تجده قد جاء غيرمعطوف وذلك لأمر أوجب أن لا يعطف وهو أن قوله‏:‏ ‏"‏ إنما نحن مستهزئون ‏"‏ حكاية عنهم أنهم قالوا وليس بخبر من الله تعالى‏.‏

وقوله تعالى‏:‏ ‏"‏ الله يستهزىء بهم ‏"‏ خبر من الله تعالى أنه يجازيهم على كفرهم واستهزائهم‏.‏

وإذا كان كذلك كان العطف ممتنعاً لاستحالة أن يكون الذي هو خبر من الله تعالى معطوفاً على ما هو حكاية عنهم‏.‏

ولا يجاب ذلك أن يخرج من كونه خبراً من الله تعالى إلى كونه حكاية عنهم وإلى أن يكونوا قد شهدوا على أنفسهم بأنهم مؤاخذون وأن الله تعالى يعاقبهم عليه‏.‏

وليس كذلك الحال في قوله تعالى‏:‏ ‏"‏ يخادعون الله وهو خادعهم ‏"‏‏.‏

‏"‏ ومكروا ومكر الله ‏"‏ لأن الأول من الكلامين فيهما كالثاني في أنه خبر من الله تعالى وليس بحكاية‏.‏

وهذا هو العلة في قوله تعالى‏:‏ ‏"‏ وإذا قيل لهم لا تفسدوا في الأرض قالوا إنما نحن مصلحون‏.‏

إلا إنهم هم المفسدون ولكن لا يشعرون ‏"‏‏.‏

إنما جاء ‏"‏ إنهم هم المفسدون ‏"‏ مستأنفاً مفتتحاً بألا لأنه خبر من الله تعالى بأنهم كذلك‏.‏

والذي قبله من قوله ‏"‏ إنما نحن مصلحون ‏"‏ حكاية عنهم‏.‏

فلو عطف للزم عليه مثل الذي قدمت ذكره من الدخول في الحكاية ولصار خبراً من اليهود ووصفاً منهم لأنفسهم بأنهم مفسدون‏.‏

ولصار كأنه قيل‏:‏ قالوا إنما نحن مصلحون وقالوا إنهم هم المفسدون‏.‏

وذلك ما لا يشك في فساده‏.‏

وكذلك قوله تعالى‏:‏ ‏"‏ وإذا قيل لهم آمنوا كما آمن الناس قالوا أنؤمن كما آمن السفهاء ألا إنهم هم السفهاء ولكن لا يعلمون ‏"‏‏.‏

ولو عطف ‏"‏ إنهم هم السفهاء ‏"‏ على ما قبله لكان يكون قد أدخل في الحكاية ولصار حديثاً منهم عن أنفسهم بأنهم هم السفهاء من بعد أن زعموا أنهم إنما تركوا أن يؤمنوا لئلا يكونوا من السفهاء على أن في هذا أمراً آخر وهو أن قوله‏:‏ ‏"‏ أنؤمن ‏"‏ استفهام ولا يعطف الخبر على الاستفهام فإن قلت‏:‏ هل كان يجوز أن يعطف قوله تعالى‏:‏ ‏"‏ الله يستهزىء بهم ‏"‏ على ‏"‏ قالوا ‏"‏ من قوله‏:‏ ‏"‏ قالوا إنا معكم ‏"‏ لا على ما بعده وكذلك كان يفعل في ‏"‏ إنهم هم المفسدون ‏"‏ ‏"‏ وإنهم هم السفهاء ‏"‏‏.‏

وكان يكون نظير قوله تعالى‏:‏ ‏"‏ وقالوا لولا أنزل عليه ملك ولو أنزلنا ملكاً لقضي الأمر ‏"‏‏.‏

وذلك أن قوله‏:‏ ‏"‏ ولو أنزلنا ملكاً ‏"‏ معطوف من غير شك على ‏"‏ قالوا ‏"‏ دون ما بعده قيل إن حكم المعطوف على ‏"‏ قالوا ‏"‏ فيما نحن فيه مخالف لحكمه في الآية التي ذكرت وذلك أن ‏"‏ قالوا ‏"‏ هاهنا جواب شرط‏.‏

فلو عطف قوله‏:‏ ‏"‏ الله يستهزىء بهم ‏"‏ عليه للزم إدخاله في حكمه من كونه جواباً وذلك لا يصح‏.‏

وذاك أنه متى عطف على جواب الشرط شيء بالواو كان ذلك على ضربين‏:‏ أحدهما‏:‏ أن يكونا شيئين يتصور وجود كل واحد منهما دون الآخر ومثاله قولك‏:‏ إن تأتني أكرمك أعطك وأكسك‏.‏

والثاني‏:‏ أن يكون المعطوف شيئاً لا يكون حتى يكون المعطوف عليه‏.‏

ويكون الشرط لذلك سبباً فيه بوساطة كونه سبباً للأول ومثاله قولك‏:‏ إذا رجع الأمير إلى الدار استأذنتة وخرجت فالخروج لا يكون حتى يكون الاستئذان وقد صار الرجوع سبباً في الخروج من أجل كونه سبباً في الاستئذان‏.‏

فيكون المعنى في مثل هذا على كلامين نحو‏:‏ إذا رجع الأمير استأذنت وإذا استأذنت خرجت‏.‏

وإذ قد عرفت ذلك فإنه لو عطف قوله تعالى‏:‏ ‏"‏ الله يستهزىء بهم ‏"‏ على ‏"‏ قالوا ‏"‏ كما زعمت كان الذي يتصور فيه أن يكون من هذا الضرب الثاني وأن يكون المعنى ‏"‏ وإذا خلوا إلى شياطينهم قالوا إنا معكم إنما نحن مستهزئون ‏"‏‏.‏

فإذا قالوا ذلك استهزأ الله بهم ومدهم في طغيانهم يعمهون‏.‏

وهذا وإن كان يرى أنه يستقيم فليس هو بمستقيم وذلك أن الجزاء إنما هو على نفس الاستهزاء وفعلهم له وإرادتهم إياه في قولهم إنا آمنا لا على أنهم حدثوا عن أنفسهم بأنهم مستهزئون والعطف على ‏"‏ قالوا ‏"‏ يقتضي أن يكون الجزاء على حديثهم عن أنفسهم بالاستهزاء لا عليه نفسه‏.‏

ويبين ما ذكرناه من أن الجزاء ينبغي أن يكون على قصدهم الاستهزاء وفعلهم له لا على حديثهم عن أنفسهم بإنا مستهزئون أنهم لو كانوا قالوا لكبرائهم‏:‏ ‏"‏ إنما نحن مستهزئون ‏"‏‏:‏ وهم يريدون بذلك دفعهم عن أنفسهم بهذا الكلام وأن يسلموا من شرهم وأن يوهموهم أنهم منهم وإن لم يكونوا كذلك لكان لا يكون عليهم مؤاخذة فيما قالوه من حيث كانت المؤاخذة تكون على اعتقاد الاستهزاء والخديعة في إظهار الإيمان لا في القول‏:‏ إنا استهزأنا من غير أن يقترن بذلك القول اعتقاد ونية‏.‏

هذا وهاهنا أمر سوى ما مضى يوجب الاستئناف وترك العطف وهو أن الحكاية عنهم بأنهم قالوا‏:‏ كيت وكيت تحرك السامعين لأن يعلموا مصير أمرهم وما يصنع بهم وأتنزل بهم النقمة عاجلاً أم لا تنزل ويمهلون وتوقع في أنفسهم التمني لأن يتبيين لهم ذلك‏.‏

وإذا كان كذلك كان هذا الكلام الذي هو قوله‏:‏ ‏"‏ الله يستهزىء بهم ‏"‏ في معنى ما صدر جواباً عن هذا المقدر وقوعه في أنفس السامعين‏.‏

وإذا كان مصدره كذلك كان حقه أن يؤتى به مبتدأ غير معطوف ليكون في صورته إذا قيل‏:‏ فإن سألتم قيل لكم‏:‏ ‏"‏ الله يستهزىء بهم ويمدهم في طغيانهم يعمهون وإذا استقريت وجدت هذا الذي ذكرت لك من تنزيلهم الكلام إذا جاء بعقب ما يقتضي سؤالاً منزلته إذا صرح بذلك السؤال كثيراً‏.‏

فمن لطيف ذلك قوله من الكامل‏:‏ زعم العواذل أنني في غمرة صدقوا ولكن غمرتي لا تنجلي لما حكى عن العواذل أنهم قالوا‏:‏ هو في غمرة‏.‏

وكان ذلك مما يحرك السامع لأن يسأله فيقول‏:‏ فما قولك في ذلك وما جوابك عنه أخرج الكلام مخرجه إذا كان ذلك قد قيل له وصار كأنه قال‏:‏ أقول صدقوا أنا كما قالوا ولكن لا مطمع لهم في فلاحي‏.‏

ولو قال‏:‏ زعم العواذل أنني في غمرة وصدقوا لكان يكون لم يصح في نفسه أنه مسؤول وأن كلامه كلام مجيب‏.‏

ومثله قول الآخر في الحماسة من الكامل‏:‏ زعم العواذل أن ناقة جندب بجنوب خبت عريت وأجمت كذب العواذل لو رأين مناخنا بالقادسية قلن‏:‏ لج وذلت وقد زاد هذا أمر القطع والاستئناف وتقدير الجواب تأكيداً بأن وضع الظاهر موضع المضمر فقال‏:‏ كذب العواذل ولم يقل‏:‏ كذبن‏.‏

وذلك أنه لما أعاد ذكر العواذل ظاهراً كا ذلك أبين وأقوى لكونه كلاماً مستأنفاً من حيث وضعه وضعاً لا يحتاج فيه إلى ما قبله وأتى فيه مأتى ما ليس قبله كلام‏.‏

ومما هو على ذلك قول الآخر من الوافر‏:‏ زعمتم أن إخوتكم قريش لهم إلف وليس لكم إلاف وذلك أن قوله‏:‏ لهم إلف تكذيب لدعواهم أنهم من قريش‏.‏

فهو إذاً بمنزلة أن يقول‏:‏ كذبتم لهم إلف وليس لكم ذلك‏.‏

ولو قال‏:‏ زعمتم أن إخوتكم قريش ولهم إلف وليس لكم إلاف لصار بمنزلة أن يقول‏:‏ زعمتم أن إخوتكم قريش وكذبتم في أنه كان يخرج عن أن يكون موضوعاً على أنه جواب سائل يقول له‏:‏ فماذا تقول في زعمهم ذلك وفي دعواهم فاعرفه‏.‏

واعلم أنه لو أظهر كذبتم لكان يجوز له أن يعطف هذا الكلام الذي هو قوله‏:‏ لهم إلف عليه بالفاء فيقول‏:‏ كذبتم فلهم إلف وليس لكم ذلك‏.‏

أما الآن فلا مساغ لدخول الفاء البتة لأنه يصير حينئذ معطوفاً بالفاء على قوله‏:‏ زعمتم أن إخوتكم قريش وذلك يخرج إلى المحال من حيث يصير كأنه يستشهد بقوله‏:‏ لهم إلف‏.‏

على أن هذا الزعم كان منهم كما أنك إذا قلت‏:‏ كذبتم فلهم إلف كنت قد استشهدت بذلك على أنهم كذبوا فاعرف ذلك‏.‏

ومن اللطيف في الاستئناف على معنى جعل الكلام جواباً في التقدير قول اليزيدي من السريع‏:‏ ملكته حبلي ولكنه ألقاه من زهد على غاربي وقال‏:‏ إني في الهوى كاذب انتقم الله من الكاذب استأنف قوله‏:‏ انتقم الله من الكاذب لأنه جعل نفسه كأنه يجيب سائلاً قال له‏:‏ فما تقول فيما اتهمك به من أنك كاذب فقال‏:‏ أقول‏:‏ انتقم الله من الكاذب‏.‏

ومن النادر أيضاً في ذلك قول الآخر من الخفيف‏:‏ قال لي‏:‏ كيف أنت قلت‏:‏ عليل سهر دائم وحزن طويل لما كان في العادة إذا قيل للرجل‏:‏ كيف أنت فقال‏:‏ عليل أن يسأل ثانياً فيقال‏:‏ ما بك وما علتك قدر كأنه قد قيل له ذلك فأتى بقوله‏:‏ سهر دائم جواباً عن هذا السؤال المفهوم من ومن الحسن البين في ذلك قول المتنبي من الوافر‏:‏ وماعفت الرياح له محلا عفاه من حدا بهم وساقا لما نفى أن يكون الذي يرى به من الدروس والعفاء من الرياح وأن تكون التي فعلت ذلك وكان في العادة إذا نفي الفعل الموجود الحاصل عن واحد فقيل‏:‏ لم يفعله فلان أن يقال فمن فعله قدر كأن قائلاً قال‏:‏ قد زعصت أن الرياح لم تعف له محلاً فما عفاه إذاً فقال مجيباً له‏:‏ عفاه من حدا بهم وساقا‏.‏

ومثله قول الوليد بن يزيد من الهزج‏:‏ عرفت المنزل الخالي عفا من بعد أحوال عفاه كل حنان عسوف الوبل هطال لما قال‏:‏ عفا من بعد أحوال قدر كأنه قيل له‏:‏ فما عفاه فقال‏:‏ عفاه كل حنان‏.‏

واعلم أن السؤال إذا كان ظاهراً مذكوراً في مثل هذا كان الأكثر أن لا يذكر الفعل في الجواب ويقتصر على الاسم وحده‏.‏

فأما مع الإضمار فلا يجوز إلا أن يذكر الفعل‏.‏

تفسير هذا أنه يجوز لك إذا قيل‏:‏ إن كانت الرياح لم تعفه فما عفاه أن تقول‏:‏ من حدا بهم وساقا ولا تقول‏:‏ عفاه من حدا‏.‏

كما تقول في جواب من يقول‏:‏ من فعل هذا زيد‏.‏

ولا يجب أن تقول‏:‏ فعله زيد‏.‏

وأما إذا لم يكن السؤال مذكوراً كالذي عليه البيت فإنه لا يجوز أن يترك ذكر الفعل‏.‏

فلو قلت مثلا‏:‏ وما عفت الرياح له محلاً من حدا بهم وساقا تزعم أنك أردت عفاه من حدا بهم ثم تركت ذكر الفعل أحلت لأنه إنما يجوز تركه حيث يكون السؤال مذكوراً لأن ذكره فيه يدل على إرادته في الجواب فإذا لم يؤت بالسؤال لم يكن إلى العلم به سبيل فاعرف ذلك‏.‏

واعلم أن الذى تراه في التنزيل من لفظ قال مفصولاً غير معطوف هذا هو التقدير فيه والله أعلم‏.‏

أعني مثل قوله تعالى‏:‏ ‏"‏ هل أتاك حديث ضيف إبراهيم المكرمين‏.‏

إذ دخلوا عليه فقالوا سلاماً قال سلام قوم منكرون‏.‏

فراغ إلى أهله فجاء بعجل سمين‏.‏

فقربه إليهم قال ألا تأكلون‏.‏

فأوجس منهم خيفة قالوا لا تخف ‏"‏ جاء على ما يقع في أنفس المخلوقين من السؤال‏.‏

فلما كان في العرف والعادة فيما بين المخلوقين إذا قيل لهم‏:‏ دخل قوم على فلان فقالوا كذا أن يقولوا‏:‏ فما قال هو ويقول المجيب‏:‏ قال كذا أخرج الكلام ذلك المخرج لأن الناس خوطبوا بما يتعارفونه وسلك باللفظ معهم المسلك الذي يسلكونه‏.‏

وكذلك قوله‏:‏ ‏"‏ قال ألا تأكلون ‏"‏ وذلك أن قوله‏:‏ ‏"‏ فجاء بعجل سمين فقربه إليهم ‏"‏ يقتضي أن يتبع هذا الفعل بقول فكأنه قيل والله أعلم‏:‏ فما قال حين وضع الطعام بين أيديهم فأتى قوله‏:‏ ‏"‏ قال ألا تأكلون ‏"‏ جواباً عن ذلك‏.‏

وكذا ‏"‏ قالوا لا تخف ‏"‏ لأن قوله‏:‏ ‏"‏ فأوجس منهم خيفة ‏"‏ يقتضي أن يكون من الملائكة كلام في تأنيسه وتسكينه مما خامره‏.‏

فكأنه قيل‏:‏ فما قالوا حين رأوه وقد تغير ودخلته الخيفة فقيل‏:‏ ‏"‏ قالوا لا تخف ‏"‏ وذلك والله أعلم المعنى في جميع ما يجيء منه على كثرته كالذي يجيء في قصة فرعون عليه اللعنة وفي رد موسى عليه السلام كقوله‏:‏ ‏"‏ قال فرعون وما رب العالمين‏.‏

قال رب السماوات والأرض وما بينهما إن كنتم موقنين‏.‏

قال لمن حوله ألا تستمعون‏.‏

قال ربكم ورب أبائكم الأولين‏.‏

قال إن رسولكم الذي أرسل إليكم لمجنون‏.‏

قال رب المشرق والمغرب وما بينهما إن كنتم تعقلون‏.‏

قال لئن اتخذت إلهاً غيري لأجعلنك من المسجونين‏.‏

قال أو لو جئتك بشيء مبين‏.‏

قال فأت به إن كنت من الصادقين ‏"‏ جاء ذلك كله والله أعلم على تقدير السؤال والجواب كالذي جرت به العادة فيما بين المخلوقين فلما كان السامع إذا سمع الخبر عن فرعون بأنه قال‏:‏ ‏"‏ وما رب العالمين ‏"‏ وقع في نفسه أن يقول‏:‏ فما قال موسى له أتى قوله‏:‏ ‏"‏ قال رب السماوات والأرض ‏"‏ مأتى الجواب مبتدأ مفصولاً غير معطوف‏.‏

وهكذا التقدير والتفسير أبداً في كل ما جاء فيه لفظ قال هذا المجيء‏.‏

وقد يكون الأمر في بعض ذلك أشد وضوحاً‏.‏

فمما هو في غاية الوضوح قوله تعالى‏:‏ ‏"‏ قال فما خطبكم أيها المرسلون‏.‏

قالوا إنا أرسلنا إلى قوم مجرمين ‏"‏ وذلك أنه لا يخفى على عاقل أنه جاء على معنى الجواب وعلى أن ينزل السامعون كأنهم قالوا‏:‏ فما قال له الملائكة فقيل‏:‏ ‏"‏ قالوا إنا أرسلنا إلى قوم مجرمين ‏"‏‏.‏

وكذلك قوله عز وجل في سورة يس‏:‏ ‏"‏ واضرب لهم مثلاً أصحاب القرية إذ جاءها المرسلون‏.‏

إذ أرسلنا إليهم اثنين فكذبوهما فعززنا بثالث فقالوا إنا إليكم مرسلون قالوا ما أنتم إلا بشر مثلنا وما أنزل الرحمن من شيء إن أنتم إلا تكذبون‏.‏

قالوا ربنا يعلم إنا إليكم لمرسلون‏.‏

وما علينا إلا البلاغ المبين‏.‏

قالوا إنا تطيرنا بكم لئن لم تنتهوا لنرجمنكم وليمسنكم منا عذاب أليم‏.‏

قالوا طائركم معكم أئن ذكرتم بل أنتم قوم مسرفون‏.‏

وجاء من أقصى المدينة رجل يسعى قال يا قوم اتبعوا المرسلين‏.‏

اتبعوا من لا يسألكم أجراً وهم مهتدون ‏"‏ التقدير الذي قدرناه من معنى السؤال والجواب بين في ذلك كله ونسأل الله التوفيق للصواب والعصمة من الزلل‏.‏

 الفصل والوصل الأصول العامة لوصل الجمل

وفصلها وإذ قد عرفت هذه الأصول والقوانين في شأن فصل الجمل ووصلها فاعلم أنا قد حصلنا من ذلك على أن الجمل على ثلاثة أضرب‏.‏

جملة حالها مع التي قبلها حال الصفة مع الموصوف والتأكيد مع المؤكد‏.‏

فلا يكون فيها العطف البتة لشبه العطف فيها لو عطفت بعطف الشيء على نفسه‏.‏

وجملة حالها مع التي قبلها حال الاسم يكون غير الذي قبله إلا أنه يشاركه في حكم ويدخل معه في معنى مثل أن يكون كلا الاسمين فاعلاً أو مفعولاً أو مضافاً إليه فيكون حقها العطف‏.‏

وجملة ليست في شيء من الحالين بل سبيلها مع التي قبلها سبيل الاسم مع الاسم لا يكون منه في شيء فلا يكون إياه ولا مشاركاً له في معنى بل هو شيء إن ذكر لم يذكر إلا بأمر ينفرد به‏.‏

ويكون ذكر الذي قبله وترك الذكر سواء في حاله لعدم التعلق بينه وبينه رأساً‏.‏

وحق هذا ترك العطف البتة فترك العطف يكون إما للاتصال إلى الغاية أو الانفصال الى الغاية والعطف لما هو واسطة بين الأمرين وكان له حال بين حالين فاعرفه‏.‏

 مسائل دقيقة في عطف الجمل

هذا فن من القول خاص دقيق‏.‏

اعلم أن مما يقل نظر الناس فيه من أمر العطف أنه قد يؤتى بالجملة فلا تعطف على ما يليها ولكن تعطف على جملة بينها وبين هذه التي تعطف جملة أو جملتان‏.‏

مثال ذلك قول المتنبي من الوافر‏:‏ تولوا بغتة فكأن بيناً تهيبني ففاجأني اغتيالا فكان مسير عيسهم ذميلاً وسير الدمع إثرهم انهمالا قوله‏:‏ فكان مسير عيسهم معطوف على تولوا بغتة دون ما يليه من قوله ففاجأني لأنا إن عطفناه على هذا الذي يليه أفسدنا المعنى من حيث إنه يدخل في معنى كأن وذلك يؤدي إلى أن لا يكون مسير عيسهم حقيقة ويكون متوهماً كما كان تهيب البين كذلك وهذا أصل كبير‏.‏

والسبب في ذلك أن الجملة المتوسطة بين هذه المعطوفة أخيراً وبين المعطوف عليها الأولى ترتبط في معناها بتلك الأولى كالذي ترى أن قوله‏:‏ فكأن بيناً تهيبني مرتبط بقوله‏:‏ تولوا بغتة وذلك أن الثانية مسبب والأولى سبب ألا ترى المعنى تولوا بغتة فتوهمت أن بيناً تهيبني ولا شك أن هذا التوهم كان بسبب أن كان التولي بغتة وإذا كان كذلك كانت مع الأولى كالشيء الواحد وكان منزلتها منها منزلة المفعول والظرف وسائر ما يجيء بعد تمام الجملة من معمولات الفعل مما لا يمكن إفراده على الجملة وأن يعتد كلاماً على حدته‏.‏

وهاهنا شيء آخر دقيق‏.‏

وهو أنك إذا نظرت إلى قوله‏:‏ فكان مسير عيسهم ذميلاً وجدته لم يعطف هو وحده على ما عطف عليه ولكن تجد العطف قد تناول جملة البيت مربوطاً آخره بأوله ألا ترى أن الغرض من هذا الكلام أن يجعل توليهم بغتة وعلى الوجه الذي توهم من أجله أن البين تهيبه مستدعياً بكاءه وموجباً أن ينهمل دمعه‏.‏

فلم يعنه أن يذكر ذملان العيس إلا ليذكر هملان الدمع وأن يوفق بينهما وكذلك الحكم في الأول فنحن وإن قلنا إن العطف على تولوا بغتة فإنا لا نعني أن العطف عليه وحده مقطوعاً عما بعده بل العطف عليه مضموماً إليه ما بعده إلى آخره‏.‏

وإنما أردنا بقولنا‏:‏ إن العطف عليه أن نعلمك أنه الأصل والقاعدة وأن نصرفك عن أن تطرحه وتجعل العطف على ما يلي هذا الذي تعطفه فتزعم أن قوله‏:‏ فكان مسير عيسهم معطوف على فاجأني فتقع في الخطأ كالذي أريناك‏.‏

فأمر العطف إذاً موضوع على أنك تعطف تارة جملة على جملة وتعمد أخرى إلى جملتين أو جمل فتعطف بعضاً على بعض ثم تعطف مجموع هذي على مجموع تلك‏.‏

وينبغي أن يجعل ما يصنع في الشرط والجزاء من هذا المعنى أصلاً يعتبر به‏.‏

وذلك أنك ترى متى شئت جملتين قد عطفت إحداهما على الأخرى ثم جعلنا بمجموعهما شرطاً ومثال ذلك قوله تعالى‏:‏ ‏"‏ ومن يكسب خطيئة أو إثماً ثم يرم به بريئاً فقد احتمل بهتاناً وإثماً مبيناً ‏"‏ الشرط كما لا يخفى في مجموع الجملتين لا في كل واحدة منهما على الانفراد ولا في واحدة دون الأخرى لأنا إن قلنا إنه في كل واحدة منهما على الانفراد جعلناهما شرطين وإذا جعلناهما شرطين اقتضتا جزاءين وليس معنا إلا جزاء واحد‏.‏

وإن قلنا إنه في واحدة منهما دون الأخرى لزم منه إشراك ما ليس بشرط في الجزم بالشرط وذلك ما لا يخفى فساده‏.‏

ثم إنا نعلم من طريق المعنى أن الجزاء الذي هو احتمال البهتان والإثم المبين أمر يتعلق إيجابه لمجموع ما حصل من الجملتين‏.‏

فليس هو لاكتساب الخطيئة على الانفراد ولا لرمي البريء بالخطيئة أو الإثم على الإطلاق بل لرمي الإنسان البريء بخطيئة أو إثم كان من الرامي‏.‏

وكذلك الحكم أبداً فقوله تعالى‏:‏ ‏"‏ ومن يخرج من بيته مهاجراً إلى الله ورسوله ثم يدركه الموت فقد وقع أجره على الله ‏"‏ لم يعلق الحكم فيه بالهجرة على الانفراد بل بها مقروناً إليها أن يدركه الموت عليها‏.‏

واعلم أن سبيل الجملتين في هذا وجعلهما بمجموعهما بمنزلة الجملة الواحدة سبيل الجزءين تعقد منهما الجملة ثم يجعل المجموع خبراً أو صفة أو حالاً كقول‏:‏ زيد قام غلامه وزيد أبوه كريم ومررت برجل أبوه كريم وجاءني زيد يعدو به فرسه‏.‏

فكما يكون الخبر والصفة والحال لا محالة في مجموع الجزءين لا في أحدهما كذلك يكون الشرط في مجموع الجملتين لا في إحداهما‏.‏

وإذا علمت ذلك في الشرط فاحتذه في العطف فإنك تجده مثله سواء‏.‏

ومما لا يكون العطف فيه إلا على هذا الحد قوله تعالى‏:‏ ‏"‏ وما كنت بجانب الغربي إذ قضينا إلى موسى الأمر وما كنت من الشاهدين‏.‏

ولكنا أنشأنا قروناً فتطاول عليهم العمر كنت ثاوياً في أهل مدين تتلو عليهم آياتنا ولكنا كنا مرسلين ‏"‏‏.‏

لو جريت على الظاهر فجعلت كل جملة معطوفة على ما يليها منع منه المعنى وذلك أنه يلزم منه أن يكون قوله ‏"‏ وما كنت ثاوياً في أهل مدين ‏"‏ معطوفا على قوله ‏"‏ فتطاول عليهم العمر ‏"‏ وذلك يقتضي دخوله في معنى لكن ويصير كأنه قيل‏:‏ ولكنك ما كنت ثاوياً وذلك ما لا يخفى فساده وإذا كان ذلك بان منه أنه ينبغي أن يكون عطف مجموع ‏"‏ وما كنت ثاوياً في أهل مدين ‏"‏ إلى ‏"‏ مرسلين ‏"‏ على مجموع قوله ‏"‏ وما كنت بجانب الغربي إذ قضينا إلى موسى الأمر إلى قوله ‏"‏ العمر ‏"‏‏.‏

فإن قلت‏:‏ فهلا قدرت أن يكون ‏"‏ وما كنت ثاوياً في أهل مدين ‏"‏ معطوفاً على ‏"‏ وما كنت من الشاهدين ‏"‏ دون أن تزعم أنه معطوف عليه مضموماً إليه ما بعده إلى قوله العمر قيل لأنا إن قدرنا ذلك وجب أن ينوى به التقديم على قوله‏:‏ ‏"‏ ولكنا أنشأنا قروناً ‏"‏ و يكون الترتيب‏:‏ ‏"‏ وما كنت بجانب الغربي إذ قضينا إلى موسى الأمر وما كنت من الشاهدين وما كنت ثاوياً في أهل مدين تتلو عليهم آياتنا ولكنا أنشأنا قروناً فتطاول عليهم العمر ولكنا كنا مرسلين وفي ذلك إزالة لكن عن موضعها الذي ينبغي أن تكون فيه‏.‏

ذاك لأن سبيل لكن سبيل إلا فكما لا يجوز أن تقول‏:‏ جاءني القوم وخرج أصحابك إلا زيداً و عمراً بجعل إلا زيداً استثناء من جاءني القوم و إلا عمراً من خرج أصحابك‏.‏

كذلك لا يجوز أن تصنع مثل ذلك بلكن فتقول‏:‏ ما جاءني زيد وما خرج عمرو ولكن بكراً حاضر ولكن أخاك خارج‏:‏ فإذا لم يجز ذلك وكان تقديرك الذي زعمت يؤدي إليه وجب أن تحكم بامتناعه فاعرفه‏.‏

وهذا وإنما تجوز نية التأخير في شيء معناه يقتضي له ذلك التأخير مثل أن كون الاسم مفعولاً لا يقتضي له أن يكون بعد الفاعل فإذا قدم على الفاعل نوي به التأخير ومعنى لكن في الآية يقتضي أن تكون في موضعها الذي هي فيه فكيف يجوز أن ينوى بها التأخير عنه إلى موضع آخر‏.‏

 أمر اللفظ والنظم

فيها فضل شحذ للبصيرة هذه فصول شتى في أمر اللفظ والنظم فيها فضل شحذ للبصيرة وزيادة كشف عما فيها من السريرة

 البلاغة مرجعها العلم بمواضع المزايا والخصائص

البلاغة ليس مرجعها إلى العلم باللغة بل العلم بمواضع المزايا والخصائص وغلط الناس في هذا الباب كثير فمن ذلك أنك تجد كثيراً ممن يتكلم في شأن البلاغة إذا ذكر أن للعرب الفصل والمزية في حسن النظم والتأليف وأن لها في ذلك شأوا لا يبلغه الدخلاء في كلامهم والمولدون جعل يعلل ذلك بأن يقول‏:‏ لا غرو فإن اللغة لها بالطبع ولنا بالتكلف ولن يبلغ الدخيل في اللغات والألسنة مبلغ من نشأ عليها وبدأ من أول خلقه بها‏.‏

وأشباه هذا مما يوهم أن المزية أتتها من جانب العلم باللغة وهو خطأ عظيم منكر يفضي بقائله إلى رفع الإعجاز من حيث لا يعلم وذلك أنه لا يثبت إعجاز حتى تثبت مزايا تفوق علوم البشر وتقصر قوى نظرتهم عنها ومعلومات ليس في منن أفكارهم خواطرهم أن تفضي بهم إليها وأن تطلعهم عليها‏.‏

وذلك محال فيما كان علما باللغة لأنه يؤدي إلى أن يحدث في دلائل اللغة ما لم يتواضع عليه أهل واعلم أنا لم نوجب المزية من أجل العلم بأنفس الفروق والوجوه فنستند إلى اللغة ولكنا أوجبناها للعلم بمواضعها وما ينبغي أن يصنع فيها‏.‏

فليس الفصل للعلم بأن الواو للجمع والفاء للتعقيب بغير تراخ وثم له بشرط التراخي‏.‏

و إنلك لذا وإذا لكذا‏.‏

ولكن لأن يتأتى لك إذا نظمت شعراً وألفت رسالة أن تحسن التخير وأن تعرف لكل من ذلك موضعه‏.‏

وأمر آخر إذا تأمله الإنسان أنف من حكاية هذا القول فضلاً عن اعتقاده وهو أن المزية لو كانت تجب من أجل اللغة والعلم بأوضاعها وما أراده الواضع فيها لكان ينبغي أن لا تجب إلا بمثل الفرق بين الفاء وثم وإن وإذا وما أشبه ذلك مما يعثر عنه وضع لغوي‏.‏

فكانت لا تجب بالفصل وترك العطف بالحذف والتكرار والتقديم والتأخير وسائر ما هو هيئة يحدثها لك التأليف ويقتضيها الغرض الذي تؤم والمعنى الذي تقصد وكان ينبغي أن لا تجب المزية بما يبتدئه الشاعر والخطيب في كلامه من استعارة اللفظ لشيء لم يستعر له وأن لا تكون الفضيلة إلا في استعارة قد تعورفت في كلام العرب وكفى بذلك جهلاً‏.‏

ولم يكن هذا الاشتباه وهذا الغلط إلا لأنه ليس في جملة الخفايا والمشكلات أغرب مذهباً في الغموض ولا أعجب شأناً من هذه التي نحن بصددها ولا أكثر تفلتاً من الفهم وانسلالاً منها‏.‏

وأن الذي قاله العلماء والبلغاء في صفتها والإخبار عنها رموز لا يفهمها إلا من هو في مثل حالهم من لطف الطبع ومن هو مهيأ لفهم تلك الإشارات‏.‏

حتى كأن تلك الطباع اللطيفة وتلك القرائح والأذهان قد تواضعت فيما بينها على ما سبيله سبيل الترجمة يتواطأ عليها قوم فلا تعدوهم ولا يعرفها من ليس منهم‏.‏

وليت شعري من أين لمن لم يتعب في هذا الشأن ولم يمارسه ولم يوفر عنايته عليه أن ينظر إلى قول الجاحظ وهو يذكر إعجاز القرآن‏:‏ ولو أن رجلاً قرأ على رجل من خطبائهم وبلغائهم سورة قصيرة أو طويلة‏.‏

لتبين له في نظامها ومخرجها من لفظها وطابعها أنه عاجز عن مثلها ولو تحدى بها أبلغ العرب لأظهر عجزه عنها وقوله وهو يذكر رواة الأخبار‏:‏ ورأيت عامتهم فقد طالت مشاهدتي لهم وهم لا يقفون إلا على الألفاظ المتخيرة والمعاني المنتخبة والمخارج السهلة والديباجة الكريمة وعلى الطبع المتمكن وعلى السبك الجيد وعلى كل كلام له ماء ورونق وقوله في بيت الحطيئة من الطويل‏:‏ متى تأته تعشو إلى ضوء ناره تجد خير نار عندها خير موقد وما كان ينبغي أن يمدح بهذا البيت إلا من هو خير أهل الأرض‏.‏

على أني لم أعجب بمعناه أكثر من عجبي بلفظه وطبعه ونحته وسبكه فيفهم منه شيئاً أو يقف للطابع والنظام والنحت والسبك والمخارج السهلة على معنى أو يحلى منه بشيء‏.‏

وكيف بأن يعرفه ولربما خفي على كثير من أهله‏.‏

واعلم أن الداء الدوي والذي أعيا أمره في هذا الباب غلط من قدم الشعر بمعناه وأقل الاحتفال باللفظ وجعل لا يعطيه من المزية إن هو أعطى إلا ما فضل عن المعنى‏:‏ يقول ما في اللفظ لولا المعنى وهل الكلام إلا بمعناه فأنت تراه لا يقدم شعراً حتى يكون قد أودع حكمة أو أدباً واشتمل على تشبيه غريب ومعنى نادر‏.‏

فإن مال إلى اللفظ شيئاً ورأى أن ينحله بعض الفضيلة لم يعرف غير الاستعارة ثم لا ينظر في حال تلك الاستعارة‏:‏ أحسنت بمجرد كونها استعارة أم من أجل فرق ووجه أم للأمرين لا يحفل بهذا وشبهه قد قنع بظواهر الأمور وبالجمل وبأن يكون كمن يجلب المتاع للبيع إنما همه أن يروج عنه‏.‏

يرى أنه إذا تكلم في الأخذ والسرقة وأحسن أن يقول‏:‏ أخذه من فلان وألم فيه بقول كذا فقد استكمل الفصل وبلغ أقصى ما يراد‏.‏

واعلم أنا وإن كنا إذا اتبعنا العرف والعادة وما يهجس في الضمير وما عليه العامة أرانا ذلك أن الصواب معهم وأن التعويل ينبغي أن يكون على المعنى وأنه الذي لا يسوغ القول بخلافه فإن الأمر بالضد إذا جئنا إلى الحقائق وإلى ما عليه المحصلون لأنا لم نرى متقدماً في علم البلاغة مبرزاً في شأوها إلا وهو ينكر هذا الرأي ويعيبه ويزري على القائل به ويغض منه‏.‏

فمن ذلك ما روي عن البحتري‏:‏ روي أن عبيد الله بن عبد الله بن طاهر سأله عن مسلم وأبي نواس أيهما أشعر فقال‏:‏ أبو نواس‏.‏

فقال‏:‏ إن أبا العباس ثعلباً يوافقك على هذا‏.‏

فقال‏:‏ ليس هذا من شأن ثعلب وذويه من المتعاطين لعلم الشعر دون عمله إنما يعلم ذلك من دفع في سلك طريق الشعر إلى مضايقه وانتهى إلى ضروراته‏.‏

وعن بعضهم أنه قال‏:‏ رآني البحتري ومعي دفتر شعر فقال‏:‏ ما هذا فقلت شعر الشنفرى‏.‏

فقال‏:‏ وإلى أين تمضي‏.‏

فقلت‏:‏ إلى أبي العباس أقرؤه عليه‏.‏

فقال‏:‏ رأيت أبا عباسكم هذا منذ أيام عند ابن ثوابة فما رأيته ناقداً للشعر ولا مميزاً للألفاظ ورأيته يستجيد شيئاً وينشده وما هو بأفضل الشعر‏.‏

فقلت له‏:‏ أما نقده وتمييزه فهذه صف أخرى ولكنه أعرف الناس بإعرابه وغريبه‏.‏

فما كان ينشد قال‏:‏ قول الحارث بن وعلة من الكامل‏:‏ قومي هم قتلوا أميم أخي فإذا رميت يصيبني سهمي فلئن عفوت لأعفون جللاً ولئن سطوت لأوهنن عظمي فقلت‏:‏ والله ما أنشد إلا أحسن شعر في أحسن معنى ولفظ‏.‏

فقال‏:‏ أين الشعر الذي فيه عروق الذهب‏.‏

فقلت‏:‏ مثل ماذا فقال‏:‏ مثل قول أبي ذؤاب من الكامل‏:‏ بأشدهم كلباً على أعدائه وأعزهم فقداً على الأصحاب وفي مثل هذا قال الشاعر من الطويل‏:‏ زوامل للأشعار لا علم عندهم بجيدها إلا كعلم الأباعر لعمرك ما يدري البعير إذا غدا بأوساقه أو راح ما في الغرائر وقال الآخر من الخفيف‏:‏ يا أبا جعفر تحكم في الش عر وما فيك آلة الحكام إن نقد الدينار إلا على الصي رف صعب فكيف نقد الكلام قد رأيناك لست تفرق فى الأش عار بين الأرواح والأجسام واعلم أنهم لم يعيبوا تقديم الكلام بمعناه من حيث جهلوا أن المعنى إذا كان أدباً وحكمة وكان غريباً نادراً فهو أشرف مما ليس كذلك بل عابوه من حيث كان من حكم من قضى في جنس من الأجناس بفضل أو نقص أن لا يعتبر في قضيته تلك إلا الأوصاف التي تخص ذلك الجنس وترجع إلى حقيقته‏.‏

وأن لا ينظر فيها إلى جنس آخر وإن كان الأول بسبيل أو متصلاً به اتصال ما لا ينفك منه‏.‏

ومعلوم أن سبيل الكلام سبيل التصوير والصياغة وأن سبيل المعنى الذي يعبر عنه سبيل الشيء الذي يقع التصوير والصوغ فيه كالفضة والذهب يصاغ منهما خاتم أو سوار‏.‏

فكما أن محالاً إذا أنت أردت النظر في صوغ الخاتم وفي جودة العمل ورداءته أن ينظر إلى الفضة الحاملة تلك الصورة أو الذهب الذي وقع فيه العمل وتلك الصنعة كذلك محال إذا أردت أن تعرف مكان الفصل والمزية الكلام أن تنظر في مجرد معناه‏.‏

وكما أنا لو فضلنا خاتماً على خاتم بأن تكون فضة أجود أو فصه أنفس لم يكن ذلك تفضيلاً له من حيث هو خاتم‏.‏

كذلك ينبغي إذا فضلنا على بيت من أجل معناه أن لا يكون ذلك تفضيلاً له من حيث هو شعر وكلام وهذا قاطع فاعرفه‏.‏

واعلم أنك لست تنظر في كتاب صنف في شأن البلاغة وكلام جاء عن القدماء إلا وجدته يدل على فساد هذا المذهب‏.‏

ورأيتهم يتشددون في إنكاره وعيبه والعيب به وإذا نظرت في كتب الجاحظ وجدته يبلغ في ذلك كل مبلغ ويتشدد غاية التشدد‏.‏

وقد انتهى في ذلك إلى أن جعل العلم بالمعنى مشتركاً وسوى فيه بين الخاصة والعامة فقال‏:‏ ورأيت ناساً يبهرجون أشعار المولدين ويستسقطون من رواها‏.‏

ولم أر ذلك قط إلا في رواية غير بصير بجوهر ما يروي‏.‏

ولو كان له بصر لعرف موضع الجيد ممن كان وفي أي زمان كان‏.‏

وأنا سمعت أبا عمرو الشيباني وقد بلغ من استجادته لهذين البيتين ونحن في المسجد الجامع يوم الجمعة أن كلف رجلاً حتى أحضره قرطاساً ودواة حتى كتبهما‏.‏

قال الجاحظ‏:‏ وأنا أزعم أن صاحب هذين البيتين لا يقول شعراً أبداً ولولا أن أدخل في الحكومة بعض الغيب لزعمت أن ابنه لا يقول الشعر أيضاً‏.‏

وهما قوله من السريع‏:‏ لا تحسبن الموت موت البلى وإنما الموت سؤال الرجال كلاهما موت ولكن ذا أشد من ذاك على كل حال ثم قال‏:‏ وذهب الشيخ إلى استحسان المعاني والمعاني مطروحة في الطريق يعرفها العجمي والعربي والقروي والبدوي‏.‏

وإنما الشأن في إقامة الوزن وتخير اللفظ وسهولة المخرج وصحة الطبع وكثرة الماء وجودة السبك‏.‏

وإنما الشعر صياغة وضرب من التصوير‏.‏

فقد تراه كيف أسقط أمر المعاني وأبى أن يجب لها فضل‏.‏

فقال‏:‏ وهي مطروحة في الطريق‏.‏

ثم قال‏:‏ وأنا أزعم أن صاحب هذين البيتين لا يقول شعراً أبداً فأعلمك أن فضل الشعر بلفظه لا بمعناه وأنه إذا عدم الحسن في لفظه ونظمه لم يستحق هذا الاسم بالحقيقة‏.‏

وأعاد طرفاً من هذا الحديث في البيان فقال‏:‏ ولقد رأيت أبا عمرو الشيباني يكتب أشعاراً من أفواه جلسائه ليدخلها في باب التحفظ والتذكر‏.‏

وربما خيل إلي أن أبناء أولئك الشعراء لا يستطيعون أبداً أن يقولوا شعراً جيداً لمكان أعراقهم من أولئك الآباء‏.‏

ثم قال‏:‏ ولولا أن أكون عياباً ثم للعلماء خاصة لصورت لك بعض ما سمعت من أبي عبيدة ومن هو أبعد في وهمك من أبي عبيدة‏.‏

واعلم أنهم لم يبلغوا في إنكار هذا المذهب ما بلغوه إلا لأن الخطأ فيه عظيم وأنه يفضي بصاحبه إلى أن ينكر الإعجاز ويبطل التحدي من حيث لا يشعر‏.‏

وذلك أنه إن كان العمل على ما يذهبون إليه من أن لا يجب فضل ومزية إلا من جانب المعنى وحتى يكون قد قال حكمة أو أدباً واستخرج معنى غريباً أو تشبيهاً نادراً فقد وجب اطراح جميع ما قاله الناس في الفصاحة والبلاغة وفي شأن النظم والتأليف‏.‏

وبطل أن يجب بالنظم فضل وأن تدخله المزية وأن تتفاوت فيه المنازل‏.‏

وإذا بطل ذلك فقد بطل أن يكون في الكلام معجز وصار الأمر إلى ما يقوله اليهود ومن قال بمثل مقالهم في هذا الباب ودخل في مثل تلك الجهالات‏.‏

ونعوذ بالله من العمى بعد الإبصار‏.‏

 اللفظ والنظم لا يكون لإحدى العبارتين

مزية على الأخرى حتى يكون لها في المعنى تأثير لا يكون لصاحبتها‏.‏

فإن قلت‏:‏ فإذا أفادت هذه ما لا تفيد تلك فليستا عبارتين عن معنى واحد بل هما عبارتان عن معنيين اثنين قيل لك‏:‏ إن قولنا‏:‏ المعنى في مثل هذا يراد به الغرض‏.‏

والذي أراد المتكلم أن يثبته أو ينفيه نحو‏:‏ إن تقصد تشبيه الرجل بالأسد فتقول‏:‏ زيد كالأسد ثم تريد هذا المعنى بعينه فتقول‏:‏ كأن زيداً الأسد‏.‏

فتفيد تشبيهه أيضاً بالأسد إلا أنك تزيد في معنى تشبيهه به زيادة لم تكن في الأول وهي أن تجعله من فرط شجاعته وقوة قلبه وأنه لا يروعه شيء بحيث لا يتميز عن الأسد ولا يقصر عنه حتى يتوهم أنه أسد في صورة آدمي‏.‏

وإذا كان هذا كذلك فانظر هل كانت هذه الزيادة وهذا الفرق إلا بما توخي في نظم اللفظ وترتيبه حيث قدم الكاف إلى صدر الكلام وركبت مع أن‏.‏

وإذا لم يكن إلى الشك سبيل أن ذلك كان بالنظم فاجعله العبرة في الكلام كله ورض نفسك على تفهم ذلك وتتبعه واجعل فيها أنك تزوال منه أمراً عظيماً لا يقادر قدره وتدخل في بحر عميق لا يدرك قعره‏.‏

 فن آخره يرجع إلى هذا الكلام

قد علم أن المعارض للكلام معارض له من الجهة التي منها يوصف بأنه فصيح وبليغ ومتخير اللفظ جيد السبك ونحو ذلك من الأوصاف التي نسبوها إلى اللفظ‏.‏

وإذا كان هذا هكذا فبنا أن ننظر فيما إذا أتي به كان معارضاً ما هو أهو أن يجيء بلفظ فيضعه مكان لفظ آخر نحو أن يقول بدل أسد‏:‏ ليث وبدل بعد‏:‏ نأى ومكان قرب‏:‏ دنا‏.‏

أم ذلك ما لا يذهب إليه عاقل ولا يقوله من به طرق كيف ولو كان ذلك معارضة لكان الناس لا يفصلون بين الترجمة والمعارضة‏.‏

ولكان كل من فسر كلاماً معارضاً له وإذا بطل أن يكون جهة للمعارضة وأن يكون الواضع نفسه في هذه المنزلة معارضاً له وإذا بطل أن يكون جهة للمعارضة وأن يكون الواضع نفسه في هذه المنزلة معارضاً على وجه من الوجوه علمت أن الفصاحة والبلاغة وسائر ما يجري في طريقهما أوصاف راجعة المعاني وإلى ما يدل عليه بالألفاظ دون الألفاظ أنفسها لأنه إذا لم يكن في القسمة إلا المعاني والألفاظ وكان لا يعقل تعارض في الألفاظ المجردة إلا ما ذكرت لم يبق إلا أن تكون المعارضة معارضة من جهة ترجع إلى معاني الكلام المعقولة دون ألفاظه المسموعة وإذا عادت المعارضة إلى جهة المعنى وكان الكلام يعارض من حيث هو فصيح وبليغ ومتخير اللفظ حصل من ذلك أن الفصاحة والبلاغة وتخير اللفظ عبارة عن خصائص ووجوه تكون معاني الكلام عليها وعن زيادات تحدث في أصول المعاني كالذي أريتك فيما بين‏:‏ زيد كالأسد و كأن زيداً الأسد‏.‏

وبأن لا نصيب للألفاظ من حيث هي ألفاظ فيها بوجه من الوجوه‏.‏

واعلم أنك لا تشفي الغلة ولا تنتهي إلى ثلج اليقين حتى تتجاوز حد العلم بالشيء مجملاً إلى العلم به مفصلاً وحتى لا يقنعك إلا النظر في زواياه والتغلغل في مكامنه وحتى تكون كمن تتبع الماء حتى عرف منبعه وانتهى في البحث عن جوهر العود الذي يصنع فيه إلى أن يعرف منبته ومجرى عروق الشجر الذي هو منه‏.‏

وإنا لنراهم يقيسون الكلام في معنى المعارضة على الأعمال الصناعية كنسج الديباج وصوغ الشنف والسوار وأنواع ما يصاغ وكل ما هو صنعة وعمل يد بعد أن يبلغ مبلغاً يقع التفاضل فيه يعظم حتى يزيد فيه الصانع على الصانع زيادة يكون له بها صيت ويدخل في حد ما يعجز عنه الأكثرون‏.‏

وهذا القياس وإن كان قياساً ظاهراً معلوماً وكالشيء المركوز في الطباع حتى ترى العامة فيه كالخاصة‏.‏

فإن فيه أمراً يجب العلم به وهو أنه يتصور أن يبدأ هذا فيعمل ديباجاً ويبدع في نقشه وتصويره فيجيء آخر ويعمل ديباجاً آخر مثله في نقشه وهيئته وجملة صفته حتى لا يفصل الرائي بينهما ولا يقع لمن لم يعرف القصة ولم يخبر الحال إلا أنهما صنعة رجل واحد وخارجان من تحت يد واحدة‏.‏

وهكذا الحكم في سائر المصنوعات كالسوار يصوغه هذا ويجيء ذاك فيعمل سواراً مثله ويؤدي صنعته كما هي حتى لا يغادر منها شيئاً البتة‏.‏

وليس يتصور مثل ذلك في الكلام لأنه لا سبيل إلى أن تجيء إلى معنى بيت من الشعر أو فصل من النثر فتؤديه بعينه وعلى خاصيته وصفته بعبارة أخرى حتى يكون المفهوم من هذه هو المفهوم من تلك لا يخالفه في صفة ولا وجه ولا أمر من الأمور‏.‏

ولا يغرنك قول الناس‏:‏ قد أتى بالمعنى بعينه وأخذ معنى كلامه فأداه على وجهه فإنه تسامح منهم‏.‏

والمراد أنه أدى الغرض فأما أن يؤدي المعنى بعينه على الوجه الذي يكون عليه في كلام الأول حتى لا تعقل هاهنا إلا ما عقلته هناك وحتى يكون حالهما في نفسك حال الصورتين المشتبهتين في عينك كالسوارين والشنفين ففي غاية الإحالة وظن يفضي بصاحبه إلى جهالة عظيمة وهي أن تكون الألفاظ مختلفة المعاني إذا فرقت ومتفقتها إذا جمعت وألف منها كلام‏.‏

وذلك أن ليس كلامنا فيما يفهم من لفظتين مفردتين نحو قعد وجلس‏.‏

ولكن فيما فهم من مجموع كلام ومجموع كلام آخر نحو أن تنظر في قوله تعالى‏:‏ ‏"‏ ولكم في القصاص حياة ‏"‏ وقول الناس‏:‏ قتل البعض إحياء للجميع فإنه وإن كان قد جرت عادة الناس بأن يقولوا في مثل هذا إنهما عبارتان معبرهما واحد فليس هذا القول قولاً منهما يمكن الأخذ بظاهره أو يقع لعاقل شك أن ليس المفهوم من أحد الكلامين المفهوم من الآخر‏.‏

 الكلام على ضربين

ضرب أنت تصل منه إلى الغرض بدلالة اللفظ وحده وذلك إذا قصدت أن تخبر عن زيد مثلاً بالخروج على الحقيقة فقلت‏:‏ خرج زيد وبالانطلاق عن عمرو فقلت‏:‏ عمرو منطلق وعلى هذا القياس‏.‏

وضرب آخر أنت لا تصل منه إلى الغرض بدلالة اللفظ وحده ولكن يدلك اللفظ على معناه الذي يقتضيه موضوعه في اللغة ثم تجد لذلك المعنى دلالة ثانية تصل بها إلى الغرض‏.‏

ومدار هذا الأمر على الكناية والاستعارة والتمثيل‏.‏

وقد مضت الأمثله فيها مشروحة مستقصاة أو لا ترى أنك إذا قلت‏:‏ هو كثير رماد القدر أو قلت‏:‏ طويل النجاد أو قلت في المرأة‏:‏ نؤوم الضحا فإنك في جميع ذلك لا تفيد غرضك الذي تعني من مجرد اللفظ ولكن يدل اللفظ على معناه الذي يوجبه ظاهره ثم يعقل السامع من ذلك المعنى على سبيل الاستدلال معنى ثانياً هو غرضك كمعرفتك من كثير رماد القدر أنه مضياف ومن طويل النجاد أنه طويل القامة ومن نؤوم الضحا في المرأة أنها مترفة مخدومة لها من يكفيها أمرها‏.‏

وكذا إذا قال‏:‏ رأيت أسداً ودلك الحال على أنه لم يرد السبع علمت أراد التشبيه إلا أنه بالغ فجعل الذي رآه بحيث لا يتميز من الأسد في شجاعته‏.‏

وكذلك تعلم في قوله‏:‏ بلغني أنك تقدم رجلاً وتؤخر أخرى أنه أراد التردد في أمر البيعة واختلاف العزم في الفعل وتركه على ما مضى الشرح فيه‏.‏

وإذ قد عرفت هذه الجملة فها هنا عبارة مختصرة وهي أن تقول المعنى ومعنى المعنى تعني بالمعنى المفهوم من ظاهر اللفظ والذي تصل إليه بغير واسطة وبمعنى المعنى أن تعقل من اللفظ معنى ثم يفضي بك ذلك المعنى إلى معنى آخر كالذي فسرت لك‏.‏

وإذ قد عرفت ذلك فإذا رأيتهم يجعلون الألفاظ زينة للمعاني وحلية عليها أو يجعلون المعاني كالجواري والألفاظ كالمعارض لها وكالوشي المحبر واللباس الفاخر والكسوة الرائقة إلى أشباه ذلك مما يفخمون به أمر اللفظ ويجعلون المعنى ينبل به ويشرف‏.‏

فاعلم أنهم يضعون كلاماً قد يفخمون به أمر اللفظ ويجعلون المعنى أعطاك المتكلم أغراضه فيه من طريق معنى المعنى فكنى وعرض ومثل واستعار ثم أحسن فى ذلك كله وأصاب ووضع كل شيء منه في موضعه وأصاب به شاكلته وعمد فيما كنى به وشبه ومثل لما حسن مأخذه ودق مسلكه ولطفت إشارته‏.‏

وأن المعرض وما في معناه ليس هو اللفظ المنطوق به ولكن معنى اللفظ الذي دللت به على المعنى الثاني كمعنى قوله من الوافر‏:‏ ‏.‏

‏.‏

‏.‏

‏.‏

‏.‏

‏.‏

‏.‏

‏.‏

‏.‏

‏.‏

‏.‏

‏.‏

‏.‏

‏.‏

‏.‏

‏.‏

فإني جبان الكلب مهزول الفصيل الذي هو دليل على أنه مضياف فالمعاني الأول المفهومة من أنفس الألفاظ هي المعارض والوشي والحلي وأشباه ذلك‏.‏

والمعاني الثواني التي يومأ إليها بتلك المعاني هي التي تكسى تلك المعارض وتزين بذلك الوشي والحلي‏.‏

وذلك إذا جعلوا المعنى يتصورمن أجل اللفظ بصورة ويبدو في هيئة ويتشكل بشكل يرجع المعنى في ذلك كله إلى الدلالات المعنوية ولا يصلح شيء منه حيث الكلام على ظاهره وحيث لا يكون كناية وتمثيل به ولا استعارة ولا استعانة في الجملة بمعنى على معنى وتكون الدلالة على الغرض من مجرد اللفظ فلو أن قائلاً قال‏:‏ رأيت الأسد وقال آخر‏:‏ لقيت الليث لم يجز أن يقال في الثاني‏:‏ إنه صور المعنى في غير صورته الأولى ولا أن يقال‏:‏ أبرزه في معرض سوى معرضه ولا شيئاً من هذا الجنس‏.‏

وجملة الأمر أن صور المعاني لا تتغير بنقلها من لفظ إلى لفظ حتى يكون هناك اتساع ومجاز وحتى لا يراد من الألفاظ ظواهر ما وضعت له في اللغة ولكن يشار بمعانيها إلى معان أخر‏.‏

واعلم أن هذا كذلك ما دام النظم واحداً فأما إذا تغير النظم فلا بد حينئذ من أن يتغير المعنى على ما مضى من البيان في مسائل التقديم والتأخير وعلى ما رأيت في المسألة التي مضت الآن أعني قولك‏:‏ إن زيداً كالأسد وكأن زيداً الأسد ذاك لأنه لم يتغير من اللفظ شيء وإنما تغير النظم فقط‏.‏

وأما فتحك أن عند تقديم الكاف وكانت مكسورة فلا اعتداد بها لأن معنى الكسر باق بحاله‏.‏

واعلم أن السبب في أن أحالوا في أشباه هذه المحاسن التي ذكرتها لك على اللفظ أنها ليست بأنفس المعاني بل هي زيادات فيها وخصائص‏.‏

ألا ترى أن ليست المزية التي تجدها لقولك‏:‏ كأن زيداً الأسد على قولك‏:‏ زيد كالأسد بشيء خارج عن التشبيه الذي هو أصل المعنى وإنما هو زيادة فيه وفي حكم الخصوصية في الشكل نحو أن يصاغ خاتم على وجه وآخر على وجه آخر تجمعهما صورة الخاتم ويفترقان بخاصة وشيء يعلم إلا أنه لا يعلم منفرداً‏.‏

ولما كان الأمر كذلك لم يمكنهم أن يطلقوا اسم المعاني على هذه الخصائص إذا كان لا يفترق الحال حينئذ بين أصل المعنى وبين ما هو زيادة المعنى وكيفية له وخصوصية فيه‏.‏

فلما امتنع ذلك توصلو‏!‏ إلى الدلالة عليها بأن وصفوا اللفظ في ذلك بأوصاف يعلم أنها لا تكون أوصافاً له من حيث هو لفظ كنحو وصفهم له بأنه لفظ شريف وأنه قد زان المعنى وأن له ديباجة وأن عليه طلاوة وأن المعنى منه مثل الوشي وأنه عليه كالحلي إلى أشباه ذلك مما يعلم ضرورة أنه لا يعنى بمثله الصوت والحرف ثم إنه لما جرت به العادة واستمر عليه العرف وصار الناس يقولون‏:‏ اللفظ واللفظ لز ذلك بأنفس أقوام باباً من الفساد وخامرهم منه شيء لست احسن وصفه‏.‏

 دلالة المعنى على المعنى

ومن الصفات التي تجدهم يجرونها على اللفظ ثم لا تعترضك شبهة ولا يكون منك توقف في أنها ليست له ولكن لمعناه قولهم‏:‏ لا يكون الكلام يستحق اسم البلاغة حتى يسابق معناه لفظه ولفظه معناه‏.‏

ولا يكون لفظه أسبق إلى سمعك من معناه إلى قلبك وقولهم‏:‏ يدخل في الأذن بلا إذن فهذا مما لا يشك العاقل في أنه يرجع إلى دلالة المعنى على المعنى وأنه لا يتصور أن يراد به دلالة اللفظ على معناه الذي وضع له في اللغة ذاك لأنة لا يخلو السامع من أن يكون عالماً باللغة وبمعاني الألفاظ التي يسمعها أو يكو جاهلاً بذلك فإن كان عالماً لم يتصور أن يتفاوت حال الألفاظ معه فيكون معنى لفظ أسرع إلى قلبه من معنى لفظ آخر وإن كان جاهلاً كان ذلك في وصفه أبعد‏.‏

وجملة الأمر أنه إنما يتصور أن يكون لمعنى أسرع فهماً منه لمعنى آخر إذا كان ذلك مما يدرك بالفكر وإذا كان مما يتجدد له العلم به عند سمعه للكلام‏.‏

وذلك محال في دلالات الألفاظ اللغوية لأن طريق معرفتها التوقيف والتقدم بالتعريف‏.‏

وإذا كان ذلك كذلك علم علم الضرورة أن مصرف ذلك إلى دلالات المعاني علم المعاني وأنهم أرادوا أن من شرط البلاغة أن يكون المعنى الأول الذي تجعله دليلاً على المعنى الثاني ووسيطاً بينك وبينه متمكناً في دلالته مستقلاً بوساطته يسفر بينك وبينه أحسن سفارة ويشير لك إليه أبين إشارة حتى يخيل إليك أنك فهمته من حاق اللفظ وذلك لقلة الكلفة فيه عليك وسرعة وصوله إليك فكان من الكناية مثل قوله من المنسرح‏:‏ لا أمتع العوذ بالفصال ولا أبتاع إلا قريبة الأجل ومن الاستعارة مثل قوله من الطويل‏:‏ ومن التمثيل مثل قوله من المديد‏:‏ لا أذود الطير عن شجر قد بلوت المر من ثمره وإن أردت أن تعرف ما حاله بالضد من هذا فكان منقوص القوة في تأدية ما أريد منه لأنه يعترضه ما يمنعه أن يقضي حق السفارة فيما بينك وبين معناك ويوضح تمام الإيضاح عن مغزاك فانظر إلى قول العباس بن الأحنف من الطويل‏:‏ سأطلب بعد الدار عنكم لتقربوا وتسكب عيناي الدموع لتجمدا بدأ فدل بسكب الدموع على ما يوجبه الفراق من الحزن والكمد فأحسن وأصاب لأن من شأن البكاء أبداً أن يكون أمارة للحزن وأن يجعل دلالة عليه وكناية عنه كقولهم‏:‏ أبكاني وأضحكني على معنى ساءني وسرني وكما قال من السريع‏:‏ أبكاني الدهر ويا ربما أضحكني الدهر بما يرضي ثم ساق هذا القياس إلى نقيضه فالتمس أن يدل على ما يوجبه دوام التلاقي من السرور بقوله لتجمدا‏.‏

وظن أن الجمود يبلغ له في إفادة المسرة والسلامة من الحزن ما بلغ سكب الدمع في الدلالة على الكآبة والوقوع في الحزن‏.‏

ونظر إلى أن الجمود خلو العين من البكاء وانتفاء الدموع عنها‏.‏

وأنه إذا قال‏:‏ لتجمدا فكأنه قال‏:‏ أحزن اليوم لئلا أحزن غداً وتبكي عيناي جهدهما لئلا تبكيا أبداً‏.‏

وغلط فيما ظن وذاك أن الجمود هو أن لا تبكي العين مع أن الحال حال بكاء‏.‏

ومع أن العين يراد منها أن تبكي ويشتكى من أن لا تبكي ولذلك لا ترى أحداً يذكر عينه بالجمود إلا وهو يشكوها ويذمها وينسبها إلى البخل ويعد امتناعها من البكاء تركاً لمعونة صاحبها على ما به من الهم ألا ترى إلى قوله من الطويل‏:‏ ألا إن عيناً لم تجد يوم واسط عليك بجاري دمعها لجمود فأتى بالجمود تأكيداً لنفي الجود ومحال أن يجعلها لا تجود بالبكاء‏.‏

وليس هناك التماس بكاء لأن الجود والبخل يقتضيان مطلوباً يبذل أو يمنع‏.‏

ولو كان الجمود يصلح لأن يراد به السلامة من البكاء ويصح أن يدل به على أن الحال حال مسرة وحبور لجاز أن يدعى به للرجل فيقال‏:‏ لا زالت عينك جامدة كما يقال‏:‏ لا أبكى الله عينك‏.‏

وذاك مما لا يشك في بطلانه‏.‏

وعلى ذلك قول أهل اللغة‏:‏ عين جمود لا ماء فيها وسنة جماد لا مطرفيها وناقة جماد لا لبن فيها‏.‏

وكما لا تجعل السنة والناقة جماداً إلا على معنى أن السنة بخيلة بالقطر والناقة لا تسخو بالدر‏.‏

كذلك حكم العين لا تجعل جموداً إلا وهناك ما يقتضي إرادة البكاء منها وما يجعلها إذا بكت محسنة موصوفة بأن قد جادت وسخت‏.‏

وإذا لم تبك مسيئة موصوفة بأن قد ضنت وبخلت‏.‏

فإن قيل‏:‏ إنه أراد أن يقول‏:‏ إني اليوم أتجرع غصص الفراق وأحمل نفسي على على مره وأحتمل ما يؤديني إليه من حزن يفيض الدموع من عيني ويسكبها لكي أتسبب بذلك إلى وصل يدوم ومسرة تتصل حتى لا أعرف بعد ذلك الحزن أصلاً ولا تعرف عيني البكاء وتصير في أن لا ترى باكية أبداً كالجمود التي لا يكون لها دمع فإن ذلك لا يستقيم ويستتب لأنه يوقعه في التناقض ويجعله كأنه قال‏:‏ أحتمل البكاء لهذا الفراق عاجلاً لأصير في الآجل بدوام الوصل واتصال السرور في صورة من يريد من عينه أن تبكي ثم لا تبكي لأنها خلقت جامدة لا ماء فيها‏.‏

وذلك من التهافت والاضطراب بحيث لا تنجع الحيلة فيه‏.‏

وجملة الأمر أنا لا نعلم أحداً جعل جمود العين دليل سرور وأمارة غبطة وكناية عن أن الحال حال فرح‏.‏

فهذا مثال فيما هو بالضد مما شرطوا من أن لا يكون لفظه أسبق إلى سمعك من معناه إلى قلبك لأنك ترى اللفظ يصل إلى سمعك وتحتاج إلى أن تخب وتوضع في طلب المعنى‏.‏

ويجري لك هذا الشرح والتفسير في النظم كما جرى في اللفظ لأنه إذا كان النظم سوياً والتأليف مستقيماً كان وصول المعنى إلى قلبك تلو وصول اللفظ إلى سمعك‏.‏

وإذا كان على خلاف ما ينبغي وصل اللفظ إلى السمع وبقيت في المعنى تطلبه وتتعب فيه‏.‏

وإذا أفرط الأمر في ذلك صار إلى التعقيد الذي قالوا‏:‏ إنه يستهلك المعنى‏.‏

واعلم أن لم تضق العبارة ولم يقصر اللفظ ولم ينغلق الكلام في هذا الباب إلا لأنه قد تناهى في الغموض والخفاء إلى أقصى الغايات وأنك لا ترى أغرب مذهباً وأعجب طريقاً وأحرى بأن تضطرب فيه الآراء منه‏.‏

وما قولك في شيء قد بلغ من أمره أن يدعى على كبار العلماء بأنهم لم يعلموه ولم يفطنوا له‏.‏

فقد ترى أن البحتري قال حين سئلء مسلم وأبي نواس‏:‏ أيهما أشعر فقال‏:‏ أبو نواس‏.‏

فقيل‏:‏ فإن أبا العباس ثعلباً لا يوافقك على هذا‏.‏

فقال‏:‏ ليس هذا من شأن ثعلب وذويه من المتعاطين لعلم الشعر دون عمله إنما يعلم ذلك من دفع في مسلك طريق الشعر إلى مضايقه وانتهى إلى ضروراته‏.‏

ثم لم ينفك العالمون به والذين هم من أهله من دخول الشبهة فيه عليهم ومن اعتراض السهو والغلط لهم‏.‏

روي عن الأصمعي أنه قال‏:‏ كنت أسير مع أبي عمرو بن العلاء وخلف الأحمر‏.‏

وكانا يأتيان بشاراً فيسلمان عليه بغاية الإعظام ثم يقولان‏:‏ يا أبا معاذ ما أحدثت فيخبرهما وينشدهما ويسألانه ويكتبان عنه متواضعين له حتى يأتي وقت الزوال ثم ينصرفان‏.‏

وأتياه يوماً فقالا‏:‏ ما هذه القصيدة التي أحدثتها في سلم بن قتيبة قال‏:‏ هي التي بلغتكم‏.‏

قالوا‏:‏ بلغنا أنك أكثرت فيها من الغريب‏.‏

قال‏:‏ نعم بلغني أن سلم بن قتيبة يتباصر بالغريب فأحببت أن أورد عليه ما لا يعرف‏.‏

قالوا‏:‏ فأنشدناها يا أبا معاذ‏.‏

فأنشدهما من الخفيف‏:‏ بكرا صاحبي قبل الهجير إن ذاك النجاح في التبكير بكرا فالنجاح في التبكير كان أحسن‏.‏

فقال بشار‏:‏ إنما بنيتها أعرابية وحشية فقلت‏:‏ إن ذاك النجاح في التبكير كما يقول الأعراب البدويون‏.‏

ولو قلت‏:‏ بكرا فالنجاح كان هذا من كلام المولدين ولا يشبه ذاك الكلام ولا يدخل في معنى القصيدة‏.‏

قال‏:‏ فقام خلف فقبل بشاراً بين عينيه‏.‏

فهل كان هذا القول من خلف والنقد على بشار إلا للطف المعنى في ذلك وخفائه واعلم أن من شأن إن إذا جاءت على هذا الوجه أن تغني غناء الفاء العاطفة مثلاً وأن تفيد من ربط الجملة بما قبلها أمراً عجيباً‏.‏

فأنت ترى الكلام بها مستأنفاً غير مستأنف مقطوعاً موصولاً معاً‏.‏

أفلا ترى أنك لو أسقطت إن من قوله‏:‏ إن ذاك النجاح في التبكير لم تر الكلام يلتئم ولرأيت الجملة الثانية لا تتصل بالأولى ولا تكون منها بسبيل حتى تجيء بالفاء فتقول‏:‏ بكرا صاحبي قبل الهجير فذاك النجاح في التبكير ومثله قول بعض العرب من الرجز‏:‏ فغنها وهي لك الفداء إن غناء الإبل الحداء فانظر إلى قوله‏:‏ إن غناء الإبل الحداء وإلى ملاءمته الكلام قبله وحسن تشبثه به وإلى حسن تعطف الكلام الأول عليه‏.‏

ثم انظر إذا تركت إن فقلت‏:‏ فغنها وهي لك الفداء غناء الإبل الحداء كيف تكون الصورة وكيف ينبو أحد الكلامين عن الآخر وكيف يشئم هذا ويعرق ذاك حتى لا تجد حيلة في ائتلافهما حتى تجتلب لهما الفاء فتقول‏:‏ فغنها وهي لك الفداء فغناء الإبل الحداء ثم تعلم أن ليست الألفة بينهما من جنس ما كان وأن قد ذهبت الأنسة التي كنت تجد والحسن الذي كنت ترى‏.‏

وروي عن عنبسة أنه قال‏:‏ قدم ذو الرمة الكوفة فوقف ينشد الناس بالكناسة قصيدته الحائية التي منها من الطويل‏:‏ هي البرء والأسقام والهم والمنى وموت الهوى في القلب مني المبرح وكان الهوى بالنأي يمحى فيمحي وحبك عندي يستجد ويربح إذا غير النأي المحبين لم يكد رسيس الهوى من حب مية يبرح قال‏:‏ فلما انتهى إلى هذا البيت ناداه ابن شبرمة‏:‏ يا غيلان‏:‏ أراه قد برح‏!‏ قال فشنق ناقته وجعل يتأخر بها ويتفكر ثم قال‏:‏ إذا غير النأي المحبين لم أجد رسيس الهوى من حب مية يبرح قال‏:‏ فلما انصرفت حدثت أبي قال‏:‏ أخطأ ابن شبرمة حين أنكر على ذي الرمة وأخطأ ذو الرمة حين غير شعره لقول ابن شبرمة إنما هذا كقول الله تعالى‏:‏ ‏"‏ ظلمات بعضها فوق بعض إذا أخرج يده لم يكد يراها ‏"‏‏.‏

وإنما هو لم يرها ولم يكد‏.‏

واعلم أن سبب الشبهة في ذلك أنه قد جرى في العرف أن يقال‏:‏ ما كاد يفعل ولم يكد يفعل‏:‏ في فعل قد فعل على معنى أنه لم يفعل إلا بعد الجهد وبعد أن كان بعيداً في الظن أن يفعله كقوله تعالى‏:‏ ‏"‏ فذبحوها وما كادوا يفعلون ‏"‏‏.‏

فلما كان مجيء النفي في كاد على هذا السبيل توهم ابن شبرمة أنه إذا قال‏:‏ لم يكد رسيس الهوى من حب مية يبرح فقد زعم أن الهوى قد برح ووقع لذي الرمة مثل هذا الظن‏.‏

وليس الأمر كالذي ظناه فإن الذي يقتضيه اللفظ إذا قيل‏:‏ لم يكد يفعل وما كاد يفعل أن يكون المراد أن الفعل لم يكن من أصله ولا قارب أن يكون ولا ظن أنه يكون‏.‏

وكيف بالشك في ذلك قد علمنا أن كاد موضوع لأن يدل على شدة قرب الفعل من الوقوع وعلى أنه قد شارف الوجود‏.‏

وإذا كان كذلك كان محالاً أن يوجب نفيه وجود الفعل لأنه يؤدي إلى أن يوجب نفي مقاربة الفعل الوجود وأن يكون قولك‏:‏ ما قارب أن يفعل‏:‏ مقتضياً على البت أنه قد فعل‏.‏

وإذ قد ثبت ذلك فمن سبيلك أن تنظر فمتى لم يكن المعنى على أنه قد كان هناك صورة تقتضي أن لا يكون الفعل وحال يبعد معها أن يكون ثم تغير الأمر كالذي تراه في قوله تعالى‏:‏ ‏"‏ فذبحوها وما كادوا يفعلون ‏"‏ فليس إلا أن تلزم الظاهر وتجعل المعنى على أنك تزعم أن الفعل لم يقارب أن يكون فضلاً عن أن يكون فالمعنى إذا في بيت ذي الرمة‏:‏ على أن الهوى من رسوخه في القلب وثبوته فيه وغلبته على طباعه بحيث لا يتوهم عليه البراح وأن ذلك لا يقارب منه أن يكون فضلاً عن أن يكون كما تقول‏:‏ إذا سلا المحبون وفتروا في محبتهم لم يقع لي وهم ولم يجر مني على بال أنه يجوز على ما يشبه السلوة وما يعد فترة فضلاً عن أن يوجد ذلك مني وأصير إليه‏.‏

وينبغي أن تعلم أنهم إنما قالوا في التفسير‏:‏ لم يرها ولم يكد فبدؤوا فنفوا الرؤية ثم عطفوا لم يكد عليه ليعلموك أن ليس سبيل لم يكد هاهنا سبيل ما كادوا في قوله تعالى‏:‏ ‏"‏ فذبحوها وما كادوا يفعلون ‏"‏ في أنه نفي معقب على إثبات وأن ليس المعنى على أن رؤية كانت من بعد أن كادت لا تكون ولكن المعنى على أن رؤيتها لا تقارب أن تكون فضلاً عن أن تكون‏.‏

لو كان لم يكد يوجب وجود الفعل لكان هذا الكلام منهم محالاً جارياً مجرى أن تقول‏:‏ لم يرها ورآها‏.‏

فاعرفه‏.‏

وهاهنا نكتة وهي أن لم يكد في الآية والبيت واقع في جواب إذا والماضي إذا وقع‏.‏

في جواب الشرط على هذا السبيل كان مستقبلاً في المعنى فإذا قلت‏:‏ إذا خرجت لم خرج كنت قد نفيت خروجاً فيما يستقبل‏.‏

وإذا كان الامر كذلك استحال أن يكون المعنى في البيت أو الآية على أن الفعل قد كان لأنه يؤدي إلى أن يجيء بلم أفعل ماضياً صريحاً في جواب الشرط فتقول‏:‏ إذا خرجت لم أخرح أمس وذلك محال‏.‏

ومما يتضح فيه هذ المعنى قول الشاعر من المتقارب‏:‏ ديار لجهمة بالمنحنى سقاهن مرتجز باكر إذا رام نهضاً بها لم يكد كذي الساق أخطأها الجابر وأعود إلى الغرض فإذا بلغ من دقة هذه المعاني أن يشتبه الأمر فيها على مثل خلف الأحمر وابن شبرمة وحتى يشتبه على ذي الرمة في صواب قاله فيرى أنه غير صواب فما ظنك بغيرهم وما تعجبك من أن يكثر التخليط فيه‏.‏

ومن العجب في هذ المعنى قول أبي النجم من الرجز‏:‏ قدأصبحت أم الخيار تدعي علي ذنباً كله لم أصنع قد حمله الجميع على أنه أدخل نفسه من رفع كل في شيء إنما يجوز عند الضرورة من غير أن كانت به ضرورة‏.‏

قالوا‏:‏ لأنه ليس في نصب كل ما يكسر له وزناً يمنعه من معنى أراده‏.‏

وإذا تأملت وجدته لم يرتكبه ولم يحمل نفسه عليه إلا لحاجة له إلى ذلك وإلا لأنه رأى النصب يمنعه ما يريد‏.‏

وذاك أنه أراد أنها تدعي عليه ذنباً لم يصنع منه شيئاً البتة لا قليلاً ولا كثيراً ولا بعضاً ولا كلاً‏.‏

والنصب يمنع من هذا المعنى ويقتضي أن يكون قد أتى من الذنب الذي ادعته بعضه‏.‏

وذلك انا إذا تأملنا وجدنا إعمال الفعل في كل والفعل منفي لا يصلح أن يكون إلا حيث يراد أن بعضاً كان وبعضاً لم يكن‏.‏

تقول‏:‏ لم ألق كل القوم ولم آخذ كل الدراهم فيكون المعنى أنك لقيت بعضاً من القوم ولم تلق الجميع‏.‏

وأخذت بعضاً من الدراهم وتركت الباقي‏.‏

ولا يكون أن تريد أنك لم تلق واحداً من القوم ولم تأخذ شيئاً من الدراهم‏.‏

وتعرف ذلك بأن تنظر إلى كل الإثبات وتتعرف فائدته فيه‏.‏

وإذا نظرت وجدته قد اجتلب لأن يفيد الشمول في الفعل الذي تسنده إلى الجملة أو توقعه بها‏.‏

تفسير ذلك أنك إنما قلت‏:‏ جاءني القوم كلهم لأنك لو قلت‏:‏ جاءني القوم وسكت لكان يجوز أن يتوهم السامع أنه قد تخلف عنك بعضهم إلأ أنك لم تعتد بهم أو أنك جعلت الفعل إذا وقع من بعض القوم فكأنما وقع من الجميع لكونهم في حكم الشخص الواحد كما يقال للقبيلة‏:‏ فعلتم وصنعتم يراد فعل قد كان من بعضهم أو واحد منهم‏.‏

وهكذا الحكم أبداً‏.‏

فإذا قلت‏:‏ رأيت القوم كلهم ومررت بالقوم كلهم كنت قد جئت بكل لئلا يتوهم أنه قد بقي عليك من لم تره ولم تمر به‏.‏

ينبغي أن يعلم أنا لا نعني لنا‏:‏ يفيد الشمول أن سبيله في ذلك سبيل الشيء يوجب المعنى من أصله وأنه لولا مكان كل لما عقل الشمول ولم يكن فيما سبق من اللفظ دليل عليه‏.‏

كيف ولو كان كذلك يكن يسمى تأكيداً‏.‏

فالمعنى أنه يمنع أن يكون اللفظ المقتضي الشمول مستعملاً على خلاف ظاهره ومتجوزاً فيه‏.‏

وإذ قد عرفت ذلك فها هنا أصل وهو أنه من حكم النفي إذا دخل على كلام ثم كان في ذلك الكلام تقييد على وجه من الوجوه أن يتوجه إلى ذلك التقييد وأن يقع له خصوصاً‏.‏

تفسير ذلك أنك إذا قلت‏:‏ أتاني القوم مجتمعين‏.‏

فقال قائل‏:‏ لم يأتك القوم مجتمعين‏.‏

كان نفيه ذلك متوجهاً إلى الاجتماع الذي هو تقييد في الإتيان دون الإتيان نفسه حتى إنه إن أراد أن ينفي الإتيان من أصله كان من سبيله أن يقول‏:‏ إنهم لم يأتوك أصلاً فما معنى قولك مجتمعين هذا مما لا يشك فيه عاقل‏.‏

وإذا كان هذا حكم النفي دخل على كلام فيه تقييد فإن التأكيد ضرب من التقييد فمتى نفيت كلاماً فيه تأكيد فإن نفيك يتوجه إلى التأكيد خصوصاً ويقع له‏.‏

فإذا قلت‏:‏ لم أر القوم كلهم أو لم يأتني القوم كلهم أو لم يأتني كل القوم أو لم أر كل القوم كنت عمدت بنفيك إلى معنى كل خاصة وكان حكمه حكم مجتمعين لم يأتني القوم كلهم أو لم يأتني كل القوم أن يكون قد أتاك بعضهم‏.‏

كما يجب إذا قلت‏:‏ لم يأتني القوم مجتمعين أن يكونوا قد أتوك أشتاتاً‏.‏

وكما يستحيل أن تقول‏:‏ لم يأتني القوم مجتمعين وأنت تريد أنهم لم يأتوك أصلاً لا مجتمعين ولا منفردين‏.‏

كذلك محال أن تقول‏.‏

لم يأتني القوم كلهم وأنت تريد أنهم لم يأتوك أصلاً فاعرفه‏.‏

واعلم أنك إذا نظرت وجدت الإثبات كالنفي فيما ذكرت لك ووجدت النفي قد احتذاه فيه وتبعه وذلك أنك إذا قلت‏:‏ جاءني القوم كلهم كان كل فائدة خبرك‏.‏

هذا والذي يتوجه إليه إثباتك بدلالة أن المعنى على أن الشك لم يقع في نفس المجيء أنه كان من القوم على الجملة وإنما وقع في شموله الكل وذلك الذي عناك أمره في كلامك‏.‏

وجملة الأمر أنه ما من كلام كان فيه أمر زائد على مجرد إثبات المعنى للشيء إلا كان الغرض الخاص من الكلام والذي يقصد إليه ويزجى القول فيه‏.‏

فإذا قلت‏:‏ جاءني زيد راكباً وما جاءني زيد راكباً كنت قد وضعت كلامك لأن تثبت مجيئه‏.‏

راكباً أو تنفي ذلك لا لأن تثبت المجيء وتنفيه مطلقاً‏.‏

هذا ما لا سبيل إلى الشك فيه‏.‏

واعلم أنه يلزم من شك في هذا فتوهم أنه يجوز أن تقول‏:‏ لم أر القوم كلهم على معنى أنك لم تر واحداً منهم أن يجري النهي هذا المجرى فتقول‏:‏ لا تضرب القوم كلهم على معنى لا تضرب واحداً منهم وأن تقول‏:‏ لا تضرب الرجلين كليهما‏:‏ على معنى لا تضرب واحداً منهما‏.‏

فإذا قال ذلك لزمه أن يحيل قول الناس‏:‏ لا تضربهما معاً ولكن اضرب أحدهما‏.‏

ولا تأخذهما جميعاً ولكن واحداً منهما وكفى بذلك فساداً‏.‏

وإذ قد بان لك من حال النصب أنه يقتضي أن يكون المعنى على أنه قد صنع من الذنب بعضاً وترك بعضاً فاعلم أن الرقع على خلاف ذلك وأنه يقتضي نفي أن يكون قد صنع منه شيئاً وأتى منه قليلاً أو كثيراً‏.‏

وأنك إذا قلت‏:‏ كلهم لا يأتيك وكل ذلك لا يكون وكل هذا لا يحسن كنت نفيت أن يأتيه واحد منهم وأبيت أن يكون أو يحسن شيء مما أشرت إليه‏.‏

ومما يشهد لك بذلك من الشعر قوله من الطويل‏:‏ فكيف وكل ليس يعدو حمامه ولا لامرىء عما قضى الله مزحل المعنى على نفي أن يعدو أحد من الناس حمامه بلا شبهة‏.‏

ولو قلت‏:‏ فكيف وليس يعدو كل حمامه فأخرت كلا لأفسدت المعنى وصرت كأنك تقول‏:‏ إن من الناس من يسلم من الحمام ويبقى خالداً لا يموت‏.‏

ومثله قول دعبل من الطويل فو الله ما أدري بأي سهامها رمتني وكل عندنا ليس بالمكدي أبالجيد أم مجرى الوشاح وإنني لأتهم عينيها مع الفاحم الجعد المعنى على نفي أن يكون في سهامها مكد على وجه من الوجوه‏.‏

ومن البين في ذلك ما جاء في حديث في اليدين قال للنبي صلى الله عليه وسلم‏:‏ اقصرت الصلاة أم نسيت يا رسول الله‏.‏

فقال صلى الله عليه وسلم‏:‏ ‏"‏ كل ذلك لم يكن ‏"‏‏.‏

فقال ذو اليدين‏:‏ بعض ذلك قد كان المعنى‏:‏ لا محالة على نفي الأمرين جميعاً وعلى أنه عليه السلام أراد أنه لم يكن واحد منهما لا القصر ولا النسيان‏.‏

ولو قيل‏:‏ لم يكن كل ذلك لكان المعنى أنه قد كان بعضه‏.‏

واعلم أنه لما كان المعنى مع إعمال الفعل المنفي في كل نحو‏:‏ لم يأتني القوم كلهم ولم أر القوم كلهم‏.‏

على أن الفعل قد كان من البعض ووقع على البعض قلت‏:‏ لم يأتني القوم كلهم ولكن أتاني بعضهم‏.‏

ولم أر القوم كلهم ولكن رأيت بعضهم فأثبت بعد ما نفيت‏.‏

ولا يكون ذلك مع رفع كل بالابتداء‏.‏

فلو قلت‏:‏ كلهم لم يأتني ولكن أتاني بعضهم‏.‏

وكل ذلك لم يكن ولكن كان بعض ذلك لم يجز لأنه يؤدي إلى التناقض وهو أن تقول‏:‏ لم يأتني واحد منهم ولكن أتاني بعضهم‏.‏

واعلم أنه ليس التأثير لما ذكرنا من إعمال الفعل وترك إعماله على الحقيقة‏.‏

وإنما التأثير لأمر آخر وهو دخول كل في حيز النفي وأن لا يدخل فيه‏.‏

وإنما علقنا الحكم في البيت وسائر ما مضى بإعمال الفعل وترك إعماله من حيث كان إعماله فيه يقتضي دخوله في حيز النفي وترك إعماله يوجب خروجه منه من حيث كان الحرف النافي في البيت حرفاً لا ينفصل عن الفعل وهو لم لا أن كونه معمولاً للفعل وغير معمول يقتضي ما رأيت من الفرق‏.‏

أفلا ترى أنك لو جئت بحرف نفي يتصور انفصاله عن الفعل لرأيت المعنى في كل مع ترك إعمال الفعل مثله مع إعماله ومثال ذلك قوله من البسيط‏:‏ ماكل مايتمنى المرء يدركه وقول الآخر من البسيط‏:‏ كل كما ترى غير معمل فيه الفعل ومرفوع إما بالابتداء وإما بأنه اسم ما‏.‏

ثم إن المعنى مع ذلك على ما يكون عليه إذا أعملت فيه الفعل فقلت‏:‏ ما يدرك المرء كل ما يتمناه وما يدعو كل رأي الفتى إلى رشد وذلك أن التأثير لوقوعه في حيز النفي وذلك حاصل في الحالين‏.‏

ولو قدمت كلا في هذا فقلت‏:‏ كل ما يتمنى المرء لا يدركه وكل رأي الفتى لا يدعو إلى رشد لتغير المعنى ولصار بمنزلة أن يقال‏:‏ إن المرء لا يدرك شيئاً مما يتمناه ولا يكون في رأي الفتى ما يدعو إلى رشد بوجه من الوجوه‏.‏

واعلم أنك إذا أدخلت كلا في حيز النفي وذلك بأن تقدم النفي عليه لفظاً أو تقدير فالمعنى على نفي الشمول دون نفي‏.‏

الفعل والوصف نفسه‏.‏

وإذا أخرجت كلاّ في حيز النفي ولم تدخله فيه لا لفظاً ولا تقديراً كان المعنى على أنك تتبعت الجملة فنفيت الفعل والوصف عنها واحداً واحداً‏.‏

والعلة في أن كان ذلك كذلك أنك إذا بدأت بكل كنت قد بنيت النفي عليه وسلطت الكلية على النفي وأعملتها فيه‏.‏

وإعمال معنى الكلية في النفي يقتضي أن لا يشذ شيء عن النفي فاعرفه‏.‏

واعلم أن من شأن الوجوه والفروق أن لا يزال يحدث بسببها وعلى حسب الأغراض والمعاني التي تقع فيها دقائق وخفايا لا إلى حد ونهاية وأنها خفايا تكتم أنفسها جهدها حتى لا ينتبه لأكثرها ولا يعلم أنها هي‏.‏

وحتى لا تزال ترى العالم يعرض له السهو فيه وحتى إنه ليقصد إلى الصواب فيقع في أثناء كلامه ما يوهم الخطأ وكل ذلك لشدة الخفاء وفرط الغموض‏.‏